تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
والجواب عنه أنه من تحكيم العواطف على الحقائق والتشريع إنما يتبع المصالح الحقيقية دون العواطف الوهمية . توضيح ذلك أنك إذا تتبعت الموجودات التي تحت مشاهدتك بالميسور مما عندك وجدتها في تكونها وبقائها تابعة لناموس التحول ، فما من شئ إلا وفى إمكانه أن يتحول إلى آخر ، وأن يتحول الاخر إليه بغير واسطة أو بواسطة لا يوجد واحد إلا ويعدم آخر ، ولا يبقى هذا إلا ويفنى ذاك ، فعالم المادة عالم التبديل ، والتبدل ، وإن شئت فقل : عالم الاكل والمأكول . فالمركبات الأرضية تأكل الأرض بضمها إلى أنفسها وتصويرها بصورة تناسبها أو تختص بها ثم الأرض تأكلها وتفنيها . ثم النبات يتغذى بالأرض ويستنشق الهواء ثم الأرض تأكله وتجزئه إلى أجزائه الأصلية وعناصره الأولية ، ولا يزال أحدهما يراجع الاخر . ثم الحيوان يتغذى بالنبات والماء ويستنشق الهواء ، وبعض أنواعه يتغذى ببعض كالسباع تأكل لحوم غيرها بالاصطياد ، وجوارح الطير تأكل أمثال الحمام والعصافير لا يسعها بحسب جهاز التغذي الذي يخصها إلا ذلك ، وهى تتغذى بالحبوب وأمثال الذباب والبق والبعوض وهى تتغذى بدم الانسان وسائر الحيوان ونحوه ، ثم الأرض تأكل الجميع . فنظام التكوين وناموس الخلقة الذي له الحكومة المطلقة المتبعة على الموجودات هو الذي وضع حكم التغذي باللحوم ونحوها ، ثم هدى أجزاء الوجود إلى ذلك ، وهو الذي سوى الانسان تسوية صالحة للتغذي بالحيوان والنبات جميعا . وفى مقدم جهازه الغذائي أسنانه المنضودة نضدا صالحا للقطع والكسر والنهش والطحن من ثنايا ورباعيات وأنياب وطواحن ، فلا هو مثل الغنم والبقر من الانعام لا تستطيع قطعا ونهشا ، ولا هو كالسباع لا تستطيع طحنا ومضغا . ثم القوة الذائقة المعدة في فمه التي تستلذ طعم اللحوم ثم الشهوة المودعة في سائر أعضاء هضمه جميع هذه تستطيب اللحوم وتشتهيها . كل ذلك هداية تكوينية وإباحة من مؤتمر الخلقة ، وهل يمكن الفرق بين الهداية التكوينية ، وإباحة العمل المهدى إليه بتسليم أحدهما وإنكار الاخر ؟ .
تفسير الميزان — صفحة 185 | السيد محمدحسين الطباطبائي