تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
والحفظ : ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغيير والزوال . والحكمة : هي الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها . والخبرة : هو ظهور الصورة العلمية بحيث لا يخفي على العالم ترتب أي نتيجة على مقدماتها . والشهادة : هو نيل نفس الشئ وعينه إما بحس ظاهر كما في المحسوسات أو باطن كما في الوجدانيات نحو العلم والإرادة والحب والبغض وما يضاهي ذلك . والألفاظ السابقة على ما عرفت من معانيها لا تخلو عن ملابسة المادة والحركة والتغير ، ولذلك لا تستعمل في مورده تعالى غير الخمسة الأخيرة منها أعني العلم والحفظ والحكمة والخبرة والشهادة ، فلا يقال فيه تعالى : انه يظن أو يحسب أو يزعم أو يفهم أو يفقه أو غير ذلك . واما الألفاظ الخمسة الأخيرة فلعدم استلزامها للنقص والفقدان تستعمل في مورده تعالى ، قال سبحانه : " والله بكل شئ عليم " النساء - 75 ، وقال تعالى : " وربك على كل شئ حفيظ " سبأ - 21 ، وقال تعالى : " والله بما تعملون خبير " البقرة - 234 ، وقال تعالى : " هو العليم الحكيم " يوسف - 83 ، وقال تعالى : " إنه على كل شئ شهيد " فصلت - 53 . ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول : لفظ العقل على ما عرفت يطلق على الادراك من حيث إن فيه عقد القلب بالتصديق ، على ما جبل الله سبحانه الانسان عليه من إدراك الحق والباطل في النظريات ، والخير والشر والمنافع والمضار في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أول وجوده ، ثم جهزه بحواس ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وباخرى باطنة يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة ، والحب والبغض ، والرجاء ، والخوف ، ونحو ذلك ، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضي فيها في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظريا ، وفي العمليات والأمور المربوطة بالعمل قضاء عمليا ، كل ذلك جريا على المجرى الذي تشخصه له فطرته الأصلية ، وهذا هو العقل .
تفسير الميزان — صفحة 249 | السيد محمدحسين الطباطبائي