خارج ، أو تحقّقه في نفس الشيء . فيقال نزف الرجل البئر ، إذا استخرج ماءها ، ونزفت البئر . ونزفت البئر وأنزفت هي ، إذا لوحظ النزف من جانب نفس البئر بالطبع . فالمادّة في الصورتين متعدّية . وأمّا النزيف : فلكونه صفة مشبهة ، يلاحظ فيه معنى الثبوت واللزوم . وهذا معنى قولهم : إنّ المتعدّى إذا أريد بناء الصفة منه ينقل إلى فعل بضمّ العين ، ثمّ تبنى منه الصفة .
* ( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) * - 37 / 47 .
الغول : نفوذ شرّ وفساد في شيء ، وهذا المعنى جار في جميع الأشربة والأطعمة والفواكه الَّتى في الجنّة ، فانّها لا يعرضها التغيّر والتسنّه ، وهكذا في جميع ما يتعلَّق بالجنّة فلا يلحقه شرّ ولا يعتريه فساد .
وضمير التأنيث ترجع إلى ما ذكر من جنّات النعيم ونعمها ، فلا يختلط في عيشها غول ولا شرّ ولا ألم .
والنزف : جذب شيء من بين شيء آخر واستخراجه من باطنه . والمراد أنّ عباد اللَّه المخلصين خالدون في تلك الجنّات ولا يخرجون عنها وهم متنعّمون فيها أبدا .
والتعبير بالنزف : إشارة إلى كونهم محاطين ومستغرقين في نعمات هذه الجنّة ولا يزالون متنعّمين بها .
* ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) * . . . . * ( لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ) * - 56 / 19 .
الصدع هو قطع في أمور مهمّة ماديّة أو معنويّة ، والتصديع جعل الشيء منقطعا . والإنزاف استخراج النفس عن محيط يكون فيه أو استخراج شيء آخر عن محيط .
والمراد أنّ المتقرّبين السابقين في جنّات النعيم ، وهم متنعّمون فيها دائمين ، ولا يجعلون منقطعين عنها ولا يستخرجون أنفسهم عنها ، فلا يطلبون
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 85
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٨٥