الصدور ، وهو ما يدخل في الصدر يوجب تغيّرا وانكدارا وتلوّنا فيه ، من ذمائم صفات كالأنانيّة والبخل والحسد ، أو من فساد رأى .
فتحقّق الأخوّة والوفاق إنّما يتحصّل بهذا النزع لا بالمنازعة والمجادلة والمغالبة والقهر ، فانّ المنازعة موجب ازدياد الخلاف والشقاق .
* ( وَأَطِيعُوا ا للهَ وَرَسُولَه ُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) * - 8 / 46 ، * ( وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ ) * - 8 / 43 .
الفشل : تهاون وضعف في الإرادة والتصميم . وهو قد يكون مقدّمة للتنازع وقد يكون التنازع مقدّمة له ، على اختلاف الموارد . وعلى أىّ حال : تلازم بين التنازع والتهاون ، فانّ وجود القاطعيّة والتصميم في تشخيص أمر موضوعا أو حكما :
ينفى حدوث التنازع والمجادلة والاختلاف .
* ( يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ) * - 52 / 23 .
قلنا التنازع هو استمرار النزع ، والنزع هو جذب شيء عن محلَّه . والكأس هو القدح المحتوى شرابا ، والشراب يختلف نوعه باختلاف مراتب القلب ، مادّيّا أو برزخيّا أو ألطف منهما ، ومن جهة تحوّل الحالات واقتضائها شرابا يوافق الحال من مشروب حارّ أو بارد أو للتعديل أو للتسكين أو غيرها .
والمراد من جذب الكأس في الجنّة : شوق أهل الجنّة إليها بمقتضى حالاتهم ومقاماتهم في عالم الجنّة ، واستمرار هذا الطلب بنحو طبيعىّ .
ثمّ إنّ هذه الاستفادة لا يقارن بها لغو ولا تأثيم كما يتراءى في المشروبات الدنيويّة المادّيّة ، بل إنّها في أثر الحالات الروحانيّة والجذبات المعنويّة والتوجّهات الإلهيّة .
ولا يخفى أنّ التنازع وهو استمرار النزع انّما يلحقه الاختلاف والتزاحم والتخاصم في مضيقة عالم المادّة وفي محدودة الأمور الدنيويّة . وأمّا في عالم ما وراء المادّة وفيما يرتبط بأمور روحانيّة غير مادّيّة : فلا تزاحم فيها حيث إنّ تلك العالم وسيعة لا مضيقة فيها ولا اختلاف ولا تخاصم ولا غلول في القلوب فيها .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 80
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٨٠