والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو جذب شيء وقلعه من محلَّه ، كما انّ القلع عبارة عن نزع شيء من أصله بحيث لا يبقى منه باق . ومن مصاديقه : نزع السلطان عامله عن محلَّه ومقامه . ونزع المريض عن الحياة وإشرافه على الموت .
والنزوع عن الأمر بتركه والاعراض عنه . والأنزع وهو الَّذى انحسر وسقط الشعر من مقدّم رأسه فوق الجبهة ، وبلحاظ هذا الأصل تستعمل الصيغ من المادّة في معاني قريبة منه .
وإذا استعملت بحرف إلى : فتدلّ على الانقطاع عن شيء والتمايل إلى شيء آخر ، فيقال : نازعت النفس إلى شيء ، أي اشتاقت اليه .
وإذا استعملت بحرف في : فتدلّ على امتداد النزع وتحقّقه في موضوع .
فيقال : نزع في القوس ، وتنازعا فيه . تنازعتم في الأمر ، فإن تنازعتم في شيء ، * ( فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ) * - 22 / 67 .
وهذا المعنى يناسب التعبير عنه بصيغة المفاعلة والتفاعل الدالَّين على الاستمرار ، بوجود الألف ، والتفاعل فيه معنى المطاوعة .
فالمنازعة في أمر عبارة عن استمرار في قلع الخصم عمّا فيه من رأى أو عمل ، وهذا المعنى يشبه المجادلة والمخاصمة ، وهو منهىّ عنه ، فانّه يخالف الدعوة إلى الحقّ وتفهيم الحقيقة وتليين القلوب ورفع الخلاف ونزع الأنانيّة .
وإذا استعملت بحرف عن : فتدلّ على الانقطاع والترك والكفّ .
فالأصل محفوظ في جميع هذه الموارد ، والخصوصيّات الزائدة إنّما تستفاد من القرائن الخارجيّة ، من ضميمة حروف أو خصوصيّة صيغة .
* ( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) * - 15 / 47 .
فتدلّ الآية الكريمة على أنّ الاخوّة والمحبّة والوفاق انّما تتحقّق بنزع الغِلّ عن
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 79
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٧٩