محيط غنىّ غير محدود . وأمّا من جهة التكوين : فهو تعالى متعال عن الخلق والتكوين ، وهو أزلىّ غير متناه أبدىّ .
والعدل في التكوين جار في المخلوق كلَّا ، وفي الإنسان خصوصا ، كما قال :
* ( ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) * - 82 / 7 .
الخلق هو التكوين على كيفيّة مخصوصة . والتسوية هو التوسّط مع اعتدال ، وهو أخصّ من الخلق وواقع بعده ، كما أنّ العدل وهو توسّط خاصّ من دون زيادة ونقيصة ، وهو أخصّ من التسوية وواقع بعده .
وهذا معنى قوله تعالى :
* ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) * - 95 / 4 .
* ( وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ) * - 2 / 48 .
* ( وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ) * - 2 / 123 .
* ( وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها ) * - 6 / 70 .
العدل إمّا مصدر كما في الآية الأخيرة ، أو صفة كما في الأوليين ، ويراد هنا من الصفة ما يكون في حدّ التوسّط من دون زيادة ونقيصة ، والاعتدال في هذا المورد في مقابل ما للنفس من عمل - ( واتّقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ) وبالنسبة اليه .
وبمناسبة هذا المعنى يقال انّه قد يجيء بمعنى الفداء والفدية ، أي ما يجعل في قبال شيء وفي محلَّه عوضا عنه ومساويا له .
وقلنا إنّ الجزاء بمعنى المكافأة . والشفاعة : إلحاق شيء أو قوّة بآخر لغرض مطلوب . والفدية : ما يجعل عوضا عن آخر ، عمل أو غيره .
فالشفاعة أخصّ من الفداء ، فانّ الفداء أمر متحصّل من الخارج ، وفي الشفاعة إلحاق قوّة وضمّها إلى قوّة النفس ، فيكون أقوى وأشدّ تأثيرا وقوّة ، وعلى هذا قدّم في الآية الأولى ، فانّ انتفاء الأخصّ لا يفيد انتفاء الأعم الأضعف .
واخّر في الآية الثانية : للتعبير عن نفى الفدية بعدم القبول ، والقبول أخصّ وأتمّ من الأخذ ، إذ قد يؤخذ شيء ولا يقبل ، فعدم القبول في الفدية لا يفيد نفى الانتفاع
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 57
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٥٧