وقد يكون من العدل ما يخفى ، ولهذا قلنا انّ القسط هو النصيب الَّذى بيّنت وجوهه .
والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو توسّط بين الإفراط والتفريط بحيث لا تكون فيه زيادة ولا نقيصة ، وهو الاعتدال والتقسّط الحقيقىّ .
وبمناسبة هذا الأصل تطلق على الاقتصاد والمساواة والقسط والاستواء والاستقامة ، كلّ منها في مورد مناسب مع لحاظ القيد .
وإذا استعملت بحرف عن : تدلّ على الإعراض والانصراف والتمايل ، وذلك بمقتضى دلالة كلمة - عن - الدالَّة على الانصراف . وهذا كما في قولنا - رغب فيه أي أحبّه ، ورغب عنه أي أعرض عنه ، والمراد حصول الرغبة وتحقّق العدل في الجهة المخالفة المنفيّة .
ثمّ إنّ العدالة في الرأي إمّا والأفكار : إذا كان مصونا عن الانحراف والضعف والحدّة ، ويطابق الحقّ والصواب ، كما في :
* ( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) * - 4 / 58 .
يراد إظهار الحقّ في الحكم من دون أن يكون في بيانه نقصان أو زيادة .
وإمّا في الصفات النفسانيّة : بأن تكون الأخلاق الباطنيّة معتدلة ليس فيها إفراط ولا تفريط ، كالشجاعة إذا لم يكن فيها تهوّر ولا جبن ، وكذلك الصفات القلبيّة الأخرى ، فالعدل هو الميزان في كون الأخلاق محمودة مطلوبة ، وطرفاه رذيلتان مذمومتان :
* ( إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) * - 5 / 106 .
وإمّا في الأعمال : وهو في الأقوال ، وفي الوظائف الانفراديّة ، وفي الأعمال الاجتماعيّة . وذلك بأن تكون على حقّ وصدق بحت ليس فيها زيادة ولا نقيصة ، ولا إفراط ولا تفريط :
* ( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِه ِ ) * - 6 / 115 .
* ( وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) * - 6 / 152 .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 55
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٥٥