3 - كلَّما ازداد الحدّ في موجود : يزداد الطغيان والعصيان فيه ، فإنّ المحدوديّة أوجبت محروميّة وممنوعيّة ، والممنوعيّة توجب الحرص والطمع وهيجان الميل والشهوة وقصور الاستطاعة ، وهذه الأمور في النفس تولد العدوان والعصيان والخلاف والتجاوز والظلم والسخط والغضب والانحرافات في القول والعمل والخصومة والاستكبار .
فانّه لا خصومة ولا عدوان ولا استكبار ولا طمع ولا غضب في صورة الحريّة والانطلاق والسعة ، وإنّما ينشأ العصيان من الحدود .
وعلامة العصيان عدم الرضا : والاقتناع بما قسّم له ، فإذا افتقد الاقتناع وهو من أعظم محامد الصفات : تظهر آثار الطغيان والعصيان .
4 - قلنا إنّ الشيطان ، هو المتمايل عن الحقّ مع الاعوجاج ، فيستعمل هذا اللفظ في موارد التجاوز والطغيان والعدوان ، وهذا بخلاف كلمة إبليس وهو من الإبلاس بمعنى اليأس الشديد بسوء عمل :
* ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) * - 15 / 31 .
* ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه ُ فَاتَّبَعُوه ُ إِلَّا فَرِيقاً ) * - 34 / 20 .
* ( إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) * - 38 / 74 .
وهذا إبليس يعبّر عنه بالشيطان إذا لوحظ فيه العدوان .
* ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ) * - 7 / 20 .
* ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها ) * - 2 / 36 .
فيلاحظ في كلّ من التعبيرين خصوصيّة مفهوم كلّ منهما الَّذي يستعمل .
5 - الشيطنة لا توجد في عالم العقل : لفقدان الحدود الخارجيّة فيه ، فلا يتصوّر في هذا العالم استكبار ولا طغيان ولا عصيان ولا عدوان ولا انحراف عن الحقّ ولا اعوجاج في السلوك والطاعة ، فليس في هذا العالم الَّا فناء في خضوع ، ومعرفة وشهود ، وطاعة وخشوع خالص ، لانعدام الأنانيّة فيه .
وكذلك في عالم الملكوت العليا : لتنزّههم عن حدود التجسّم والتكاثف المادّيّة ، واستغراقهم في السجود والقيام والركوع والخشية :
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 64
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٦٤