وإنّما الصحيح الحقّ منه : هو التمايل إلى محافظة الحياة ببسط النور والرحمة وإفاضة الجود والوجود ، بأيّ نحو يشاء .
فهذا التمايل الشديد والمحبّة : ثابت له ، وهو من آثار حياته ولوازمها ، وهو في كلّ يوم في شأن ، وفي كلّ آن على مشيئة ، وبهذا الحبّ تتجلَّى التجلَّيات النوريّة الإلهيّة الحقّة الحياتيّة : . * ( ا للهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) * ، * ( كَذلِكَ ا للهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) * ، * ( كَذلِكِ ا للهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) * ، * ( وَلكِنَّ ا للهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) * ، * ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) * .
8 - ومن آثار القدرة ولوازمها : الاختيار بتحقّق المشيئة والإرادة ، فانّ حقيقة القدرة عبارة عن رفع الحدّ ، وكلَّما كان الحدّ أقلّ تكون القدرة أكمل ، إلى أن ينتهي إلى نور واجب مطلق منزّه عن أيّ قيد خارجيّ وذاتيّ ، وهو النور الحقّ الغنيّ .
ومن لوازم هذا الإطلاق والتنزّه عن أيّ قيد وحدّ : تحقّق المشيئة والاختيار ورفع الحدود بالكلَّيّة ، فانّ المقهوريّة والجبر خلاف الإطلاق ويوجب محدوديّة الذات وسلب الاختيار .
فانّ من كان تحت سلطة قانون طبيعيّ داخليّ أو خارجيّ : فهو محدود بهذا القانون يسلب عنه الاختيار في ذلك المورد ، وهذا المعنى يخالف اطلاق النور وتنزّهه عن الحدود :
* ( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * - 3 / 26 .
* ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) * - 28 / 68 .
9 - فظهر ممّا ذكر حقيقة مفهوم الرواية الشريفة - خلق اللَّه الأشياء بالمشيّة والمشيّة بنفسها : فانّ المشيّة كما قلنا هي من آثار العلم والقدرة ، وبها يتجلَّى حقّ الحياة الأزليّة ، فالمشيّة مرتبة شديدة من التمايل ، ومقام اختيار أحد الجانبين من الفعل والترك ، وهي من صفات الذات ، وبها يظهر الفيض والخلق والتكوين :
* ( كَذلِكِ ا للهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) * ، * ( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ) * ، * ( وَا للهُ يُؤْتِي مُلْكَه ُ مَنْ يَشاءُ ) * ، * ( يَمْحُوا ا للهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) * .
وتوضيح ذلك أنّ القدرة ليست إلَّا مقدار سعة النور ( المعبّر عنه في لسان أهل
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 158
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٥٨