الحكمة بالوجود ) وكلَّما كانت حدوده قليلة تكون السعة والقوّة فيه شديدة ، فالقدرة ليست وراء حقيقة نور الذات ، ومقام هذا النور شدّة وضعفا يعرف بخصوصيّة الحدود ومقدار المحدوديّة .
فالقدرة في اللَّه عزّ وجلّ كذاته المنزّه لا نهاية لها ، وليست بمحدودة بأيّ نحو يتصوّر ، إذ ذاته تعالى منزّه عن أيّ حدّ يتصوّر .
وتجلَّي القدرة وظهورها هو المشيئة ، فالأشياء مستندة إلى القدرة والمشيئة في ذاتها ، وفي خصوصيّاتها إلى العلم .
10 - وأمّا المشيئة والاختيار في المخلوق : فالدليل فيها ما قلنا في المشيئة والاختيار للَّه عزّ وجلّ ، إذ المشيئة مظهرة القدرة ومجلاتها ، والقدرة هي رفع القيود ونفي الحدود ، وكلَّما كانت المحدوديّة بأيّ نحو منها قليلة كانت القدرة شديدة .
فكلّ مرتبة من الموجودات له مقام محدود من القدرة ، باعتبار مقدار إطلاقه عن المحدوديّة ، كاطلاق كلّ مرتبة من الجماد والنبات والحيوان والملائكة والروح عن الحدود الواقعة فيما دونها .
فكلّ موجود في أيّ مرتبة كان إنسانا أو غير انسان : له من المشيئة والاختيار بمقدار قدرته وإطلاقه عن المحدوديّة .
فالمشيئة سارية في مراتب الموجودات كسريان النور والفيض والوجود فيها ، في أثر القدرة الظاهرة فيها :
* ( فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ) * ، * ( فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ ) * ، * ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) * ، * ( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) * .
11 - فظهر من هذه الكلمات حقيقة الرواية الشريفة - لا جبر ولا تفويض بل الأمر بين الأمرين : فانّ الإنسان مختار وله مشيئة بمقدار قدرته وانطلاقه عن الحدود كما قلناه ، وله مقهوريّة ومجبوريّة في مقابل الحدود والقيود الذاتيّة له في نفس الأمر .
مضافا إلى أنّه واقع تحت سيطرة مشيئة اللَّه ، فتؤثّر تلك المشيئة في أعماله وحركاته وجريان أموره .
فالإنسان واقع تحت حكومة مشيئتين : مشيئة في اثر قدرته الذاتيّة ، ومشيئة
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 159
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٥٩