مرتبة ومن ضعف إلى قوّة ، وذلك بتقدير العزيز العليم في أصل التكوين ، وهذا السير لا يتحقّق إلَّا بجريان طبيعيّ مقدّر من اللَّه تعالى ، ولا يمكن لأحد أن يملك اختيار هذا التحويل والتسبيح المقدّر إلَّا من أوّل التكوين والخلق ثمّ بالقوى المودّعة في ذوات الأشياء وفي أنفسها . وهذا بخلاف مفاهيم التزكية والتطهير والتقديس والتبرئة وأمثالها ممّا يرجع إلى تغيير في العوارض والحالات .
وعلى هذا فلم يرد اطلاق التسبيح العملَّي من أحد بالنسبة إلى آخر ، وإن كان من جانب اللَّه العزيز القدير ، فانّه قدّر الخلق أوّلا على ما قدّر وعلى أحسن نظم وأكمل صورة ، ولم يجز لأحد أن يبدّله ويتصرّف فيه .
نعم إذا ورد جريان أمر على خلاف التقدير الإلهي : فهو استثنائيّ وخارج عن قانون الخلق والتقدير ، ومن هذا القبيل المعجزات والخوارق .
* ( يُسَبِّحُ لِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ لَه ُ الْمُلْكُ وَلَه ُ الْحَمْدُ ) * - 64 / 1 .
* ( يُسَبِّحُ لِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ) * - 62 / 1 .
فذكر المالكيّة بعد التسبيح يشعر إلى هذا المعنى .
4 - قلنا إنّ التسبيح على قسمين تسبيح اللَّه عزّ وجلّ وتسبيح النفس للَّه :
وهذان القسمان في مقام الإنسان مفهومان لنا . وأمّا في المقامات العالية والسافلة :
فتسبيح النفس للَّه في كلّ مرتبة : هو تنزيه الذات عن النواقض والعيوب الَّتي في تلك المرتبة حتى تصل إلى مرتبة فوقها وتفنى فيها ، ليتحقّق حقيقة الشهود .
وأمّا تسبيح اللَّه تعالى في المراتب بالقول : فانّ القول بمعنى الإظهار لما في الباطن ، وهذا المعنى يختلف في أنواع الموجودات والمراتب ، ففي كلّ مرتبة وجنس ونوع باقتضاء فطرته وخلقته .
فالبيان المظهر لما في الباطن : يكون في بعض بالنطق بكلمات ولغات بتنوّعها ، وفي بعض بأصوات مخصوصة مختلفة ، وفي بعض بتحوّلات وحركات وإشارات مخصوصة ، وفي بعض بتغيّرات وتبدّلات ، وهكذا .
فالبيان بمعنى الإبراز والإظهار ، ولا يختصّ بالنطق والكلام ، بل لكلّ نوع من الموجودات بيان خاصّ من الأحوال والأطوار والحركات والأصوات واللغات
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 27
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٧