والضعف العامّ بجميع مراتب العوالم : هو الإمكان والحدّ المطلق ، فيبقى هذا الضعف وهو الحدّ الذاتيّ في مرتبة عالم الأرواح ، ولا يمكن رفعه والتنزّه منه ، لأنّ الحدّ من لوازم الإمكان ذاتا .
وفوق هذا العالم : عالم الالوهيّة ، وهو نور الوجود الحقّ الواجب الأزليّ الأبديّ المنزّه عن أيّ نقص وضعف وحدّ في ذاته وصفاته .
وله تعالى بذاته وفي ذاته ومن ذاته ولذاته حياة وقدرة وعلم وإرادة وغنى ، وليس له فقر ولا ضعف ولا حدّ ، فهو سبّوح قدّوس .
وأمّا المعرفة بذلك شهودا وحضورا ، فيتوقّف على التنزّه والتخلَّي والتخلَّص والفراغ عن المراتب النازلة ، وبل عن وجوه الامكانيّ المحدود ، بحيث يفرغ عن كلّ ما سوى اللَّه عزّ وجلّ ويفنى فيه تعالى ، وترتفع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة ، ولا يرى إلَّا اللَّه ، ولا يشاهد إلَّا نور جماله - فارفع الأنانيّة من البين .
فحينئذ يشاهده جلّ وعزّ فارغا ونزيها عن أيّ حدّ ووصف وإشارة قيّوما على كلّ شيء محيطا على جميع مراتب الوجود ، بل يشاهد الكلّ فانيا فيه ، ليس إلَّا هو .
وإذ لا ضعف في ذاته ولا فقر ولا حدّ : فهو على الحقّ الصريح في وجوده وصفاته العليا وأفعاله وفي جميع تجلَّياته ومراحل ظهوره - ويبقى وجهه .
فهذا بين محدود من حقيقة السبّوحية له عزّ وجلّ - راجع - ريد .
وأمّا كلمة - سبحان : فالظاهر أنّها مصدر كالغفران والفرقان والشكران والقرآن ، وانتخابها على السبح : فانّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى . وهذا كانتخاب كلمة - سبوح ، على سائر الصيغ .
وهذه الكلمة إنّما تستعمل في القرآن ، إمّا في مقام النظر إلى التنزيه في المرتبة الأولى كما في :
* ( سُبْحانَ ا للهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * ، * ( سُبْحانَ ا للهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * ، * ( اتَّخَذَ ا للهُ وَلَداً سُبْحانَه ُ ) * ، * ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّه ِ الْبَناتِ سُبْحانَه ُ ) * ، * ( سُبْحانَه ُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ ) * .
وإمّا أن يكون النظر البادي إلى جهة التعظيم ، وكون الجريان في المورد على الحقّ والحكمة والتدبير اللازم : كما في : . * ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ ) * - 17 / 1 .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 24
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٤