وحسن الجري في السير والتصرّف في الحوائج : كلَّها يرجع إلى الأصل .
فانّ الحقيقة في المادّة إنّما تختلف مصاديقها باختلاف مواردها : فالحركة في مسير الحقّ مع التباعد عن الانحراف والضعف والنقص : إنّما يتحقّق في السباحة في الماء بحسن الجريان والنظم في الحركة من دون انحراف وغور . وفي الخيل : بالنظم في المسير وبحسن الجري ولطفه .
وفي الإنسان من جهة الحياة المادّية : بحسن العمل والاجتهاد في تأمين المعاش ورفع حوائج نفسه وغيره . ومن جهة الروحانيّة : بحسن العبادة والسعي في تهذيب نفسه والتنزيه عن السوء والتباعد عن الضعف وتحصيل الفراغ وتحقّق التخلية عن المشاغل النفسانيّة والتنفّل وحمد اللَّه وتعظيمه .
وفي النطق والكلام : بحسن جريانه من جهة الفصاحة والبلاغة وإدامة البيان وإتمامه .
وفي اللَّه عزّ وجلّ : بجريان أمره على الحقّ الثابت مع التنزّه عن أيّ ضعف ونقص وانحراف ، وبتحقّق هذا الأصل فيه حقّا من دون تجوّز وضعف .
وفي الملائكة والأولياء والسالكين إلى اللَّه تعالى : هو السلوك في مسير الحقّ والى اللَّه عزّ وجلّ مع التنزّه والتباعد عن أيّ انحراف ومكروه وسوء .
والفرق بين السبح والتسبيح : أنّ السبح لازم ويستعمل في موارد يتحقّق الجريان والتنزّه بطريق طبيعيّ . والتسبيح هو جعل شيء آخر في هذا الجريان والتنزّه ، وهو متعدّ ، وفي كلّ مورد يختلف مفهوم الكلمة باختلاف الموضوعات .
فالسبح : كما في - . * ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) * - 21 / 33 .
* ( وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ) * - 79 / 3 .
* ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ) * - 73 / 7 .
* ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه ِ ) * - 17 / 1 .
* ( اتَّخَذَ ا للهُ وَلَداً سُبْحانَه ُ ) * - 2 / 116 .
فالآية الأولى - تدلّ على سبح الشمس والقمر وجريانهما في مداريهما بنظم دقيق
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 22
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٢