أشعريا جلدا متعصبا على المخالفين ( 108 ) ، ولكن التقي السبكي كان
يحبه ( 109 ) ، فروى التاج السبكي أن والده التقي قال : " دخل إلي وقت
العشاء الآخرة ، وقال أمورا يريد بها تعريفي بأهل دمشق ، قال : فذكر
لي البرزالي وملازمته لي ، ثم انتهى إلى المزي ، فقال : وينبغي لك
عزله من مشيخة دار الحديث الأشرفية ، قال الشيخ الامام ( يعني
التقي ) ، فاقشعر جلدي ، وغاب فكري ، وقلت في نفسي : هذا إمام
المحدثين ، الله لو عاش الدارقطني استحيى أن يدرس مكانه . قال :
وسكت ، ثم منعت الناس من الدخول علي ليلا ، وقلت : هذه بلدة
كثيرة الفتن . فقلت أنا للشيخ الامام : إن صدر الدين المالكي لا ينكر
رتبة المزي في الحديث ، ولكنه كأنه لاحظ ما هو شرط واقفها ، من أن
شيخها لابد أن يكون أشعري العقيدة ، والمزي وإن كان حين ولي
كتب بخطه بأنه أشعري إلا أن الناس لا يصدقونه في ذلك . فقال :
أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين ، ولكن من ذار الذي يتجاسر
أن يقول : المزي ما يصلح لدار الحديث ، والله ركني ما يحمل هذا
الكلام ( 110 ) " .
وقد استمر المزي متوليا لهذه الدار طيلة حياته ، وكانت مسكنه ،
فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاما ، ومنها نشر علمه
الجم ، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره ، وسمعها
عليه الجلة من شيوخ العصر .
وكان المزي ، إضافة إلى ذلك ، شيخا لدار الحديث الحمصية
المعروفة بحلقة صاحب حمص ، وإن كنا لا ندري متى تولاها ، ولكنه
تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي
هامش
( 108 ) الذيل على ذيل العبر للحسيني : 276 ، والدرر لابن حجر : 2 / 248 ، وذيول تذكرة الحفاظ :
119 ، وتوفي سنة 749 .
( 109 ) طبقات السبكي : 10 / 397 . ( 110 ) نفسه : 10 / 397 398 .