فلا بدّ من تلخيص الدعوى في هذه المسألة ، ثم إقامة البرهان عليها فنقول : إن قولنا للشئ إنه لا نهاية له يقال على وجهين :
أحدهما على سبيل السلب ، والثاني على سبيل العدول ، أما الوجه الأول فهو أن لا يكون للشئ المعنى الذي يلحقة النهاية - وذلك المعنى هو الكمية - ويسلب عنه النهاية التي هي خاصّتها ، لوجوب سلب الخاصّة عما يسلب عنه ذو الخاصة ، كما يقال : النقطة لا نهاية لها ، وذات الباري والعقل والنفس لا نهاية لها ، لأن هذه الأشياء لا كمية لها ، والنهاية إنما هي انقطاع كمية الشئ ، فاذن ما لا كم له فلا انقطاع له فلا نهاية له .
وأما العدول فهو أن يكون للشئ كميّة لكن تنفى عنه النهاية ، وهو أيضا على وجهين :
أحدهما أن يكون من شأنه أن يعرض له نهاية ، لكنها غير موجودة بالفعل مثل الدائرة ، فإنها ذات كمية وليس لها نهاية ، لست أعنى به أن سطح الدائرة غير محدود بحدّ هو المحيط ، بل إنما أعنى به المحيط نفسه فإنه ليس فيه نقطة بالفعل ينتهى عندها الخط المستدير الذي هو محيط الدائرة ، بل هو متصل لا فصل فيه ولا حدّ لكنه من شأنه أن يفرض فيه نقطة تكون تلك النقطة حدا ونهاية له .
وثانيهما أن يكون شئ له كمية ، ويكون من شأن نوعه وطبيعته أن يكون له نهاية لكن ليس من شأنه بعينه أن يكون له نهاية مثل الخط الغير المتناهى - لو كان - فإنه لا يجوز أن يكون خط واحد بالعدد موضوعا للتناهى ولعدم التناهي ، لكن طبيعة الخط قابلة لأن تكون متناهية في الجملة ، إنما الشك في الخط الغير المتناهى ، فهذا المعنى هو الذي يريد أن يبحث عنه في هذه المقدمة ، والمعنىّ من كون الخط أو البعد غير متناه هو أي شئ أخذ ، وأي أمثال أخذت لذلك الشئ منه ، يوجد شئ خارج عنه من غير تكرير .
إذا عرفت هذا فاعلم أن البراهين المعتبرة التي وصلت إلينا ممن قبلنا ، واعتمدوا عليها في إثبات هذه المقدمة ثلاثة ، أحدها يقال له برهان التطبيق ، والثاني يقال له برهان الموازاة ، والثالث يقال له البرهان السلّمي .
أما برهان التطبيق فهو هذا : لو كان بعد ممتد إلى غير النهاية في خلاء ، أو ملاء -
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 7
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٧