أي الذي يمكن أن يشار إليه أنه هاهنا بالحسّ ، وثمّ بذاته لا بتبعية غيره ويمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم ، وهي الأقطار الثلاثة أعنى الطول والعرض والعمق ، وأما القوّة فهي لفظة مشتركة بين القوّة الفعلية ، والقوّة الانفعالية . اما القوّة الفعلية فهي عبارة عما يكون مبدأ التغيّر من آخر في آخر من حيث أنه آخر ، ومعناه أن الشئ الحالّ في الجسم إذا صدر منه أثر في جسم آخر يقال لذلك الشئ إنه قوة مثل الحرارة الحاصلة في الجسم ، فإنها إذا صادفت جسما آخر مهيأ لقبول السخونة سخنته فيقال إنها قوّة باعتبار حصول ذلك الأثر عنها ، وهي - أعنى القوّة - قد تكون عرضا في الموضوع وقد تكون صورة في الهيولى ، والفرق بينهما أن العرض يكون متقوّما بمحلّه الذي هو الموضوع والمحلّ مقوّما له ، والصورة بالعكس من ذلك ، اى تكون الصورة مقوّمة لمحلّه الذي هو الهيولى والمحلّ متقوّما بها ، فالصورة من الجواهر ، لا من الأعراض ، واسم القوّة يجمعها جميعا ، فمثال القوّة التي تكون عرضا : الحرارة والبرودة ، ومثال القوّة التي تكون صورة : الصّورة النارية ، والهوائية ، والمائية ، والأرضية ، وكالصّور الفلكيّة وهي التي يقال لها الصور النوعية ، إذ بها تتنوّع الكائنات ، بعد الاشتراك في كونها أجساما .
واما القوّة الانفعالية فهي عبارة عن الصفة التي بها يصير الشئ قابلا لشئ آخر ، كما يقال للرطوبة أو اليبوسة إنها قوة انفعالية لأنها تجعل الجسم بحيث يتغيّر عن الدافع إما بالسهولة كالرطوبة أو بالعسر كاليبوسة . فالمراد بقوله : إنه ليس بجسم ، ولا قوة في جسم هو انه تعالى ليس موجودا بالصفة التي وصفناها في معنى الجسم والقوّة فهو منزّه عن أن يكون في الجهة والحيّز ، أو حالا فيما يكون في الجهة والحيّز .
وأما المسألة الثالثة فالمقصود منها بيان أنه تعالى واحد . واعلم أن لفظة الواحد لها معان كثيرة ، إلا أنا نريد منها في هذا الموضع ثلاثة . فالأول : أنه تعالى واحد بمعنى أن ذاته غير قابلة للقسمة إذ ليس له أجزاء تجتمع فتتقوّم بها ذاته ؛ لا أجزاء كميّة ، ولا أجزاء معنويّة ، سواء كانت كالمادّة والصّورة ، أو كالجنس والفصل ، وبالجملة على وجه يكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه ، يدلّ كل واحد منها على شئ هو في الوجود غير الآخر ،
المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه من أن يكون جسما أو قوة في جسم من كتاب دلالة الحائرين لابن ميمون ( شرح بيست وپنج مقدمه در اثبات بارى تعالى از كتاب دلالة الحائرين ابن ميمون ) — صفحة المقدمة 5
مساهمون: أبي عبد الله محمد التبريزي
صالمقدمة ٥