تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) * ( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) * بإهلاك أهلها ، وقرأ البصريان بغير لفظ التعظيم . * ( وهِيَ ظالِمَةٌ ) * أي أهلها . * ( فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) * ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فيكون الجار متعلقا ب * ( خاوِيَةٌ ) * ، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر أي هي خالية وهي على عروشها أي : مطلة عليها بأن سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها ، والجملة معطوفة على * ( أَهْلَكْناها ) * لا على * ( وهِيَ ظالِمَةٌ ) * فإنها حال والإهلاك ليس حال خوائها فلا محل لها إن نصبت كأي بمقدر يفسره * ( أَهْلَكْناها ) * وإن رفعته بالابتداء فمحلها الرفع . * ( وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ) * عطف على * ( قَرْيَةٍ ) * أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها ، وقرئ بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله . * ( وقَصْرٍ مَشِيدٍ ) * مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه ، وذلك يقوي أن معنى * ( خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) * خالية مع بقاء عروشها ، وقيل المراد ب * ( بِئْرٍ ) * بئر في سفح جبل بحضرموت وبقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من قوم صالح فلما قتلوه أهلكهم اللَّه تعالى وعطلهما .
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) * ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ) * حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا ، وهم وإن كانوا قد سافروا فلم يسافروا لذلك . * ( فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ) * ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال . * ( أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ) * ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم . * ( فَإِنَّها ) * الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار . وفي * ( تَعْمَى ) * راجع إليه والظاهر أقيم مقامه . * ( لا تَعْمَى الأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) * عن الاعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد ، وذكر * ( الصُّدُورِ ) * للتأكيد ونفي التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الَّذي يخص البصر . قيل لما نزل * ( ومَنْ كانَ فِي هذِه أَعْمى ) * قال ابن أم مكتوم يا رسول اللَّه أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت * ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الأَبْصارُ ) * .
ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 ) * ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ) * المتوعد به . * ( ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه ) * لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين لكنه صبور لا يعجل بالعقوبة . * ( وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) * بيان لتناهي صبره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال ، أو لتمادي عذابه وطول أيامه حقيقة ، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء . * ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ) * وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب ، ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل وإنما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو ، لأن الأولى بدل من قوله * ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * وهذه في حكم ما تقدمها من الجملتين لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة وأن تأخيره لعادته تعالى . * ( أَمْلَيْتُ لَها ) * كما أمهلتكم . * ( وهِيَ ظالِمَةٌ ) * مثلكم . * ( ثُمَّ أَخَذْتُها ) * بالعذاب . * ( وإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) * وإلى حكمي مرجع الجميع .