تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) * ( يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) * ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق ، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر ، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به فقال : * ( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ) * ولما استهجن ذلك بين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولي للنعم كلها بقوله : * ( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ) * ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه ، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجر إليه فقال :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) * ( يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) * قرينا في اللعن والعذاب تليه ويليك ، أو ثابتا في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان اللَّه أكبر من الثواب . وذكر الخوف والمس وتنكير العذاب إما للمجاملة أو لخفاء العاقبة ، ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من بين جناياته لارتقاء همته في الربانية ، أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها .
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَه لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) * ( قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ ) * قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل * ( يا أَبَتِ ) * : بيا بني ، وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب ، كأنها مما لا يرغب عنها عاقل ثم هدده فقال : * ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَه ) * عن مقالك فيها أو الرغبة عنها . * ( لأَرْجُمَنَّكَ ) * بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت ، أو تبعد مني . * ( واهْجُرْنِي ) * عطف على ما دل عليه * ( لأَرْجُمَنَّكَ ) * أي فاحذرني واهجرني . * ( مَلِيًّا ) * زمانا طويلا من الملاوة أو مليا بالذهاب عني .
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّه كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه وأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) * ( قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ) * توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة ، أي لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ولكن : * ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) * لعله يوفقك للتوبة والإيمان ، فإن حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته وقد مر تقريره في سورة التوبة * ( إِنَّه كانَ بِي حَفِيًّا ) * بليغا في البر والإلطاف . * ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * بالمهاجرة بديني . * ( وأَدْعُوا رَبِّي ) * وأعبده وحده . * ( عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) * خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتهم ، وفي تصدير الكلام ب * ( عَسى ) * التواضع وهضم النفس ، والتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل غير واجبتين ، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب .
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه وَهَبْنا لَه إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) ووَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) * ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * بالهجرة إلى الشام . * ( وَهَبْنا لَه إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ ) * بدل من فارقهم من الكفرة ، قيل إنه لما قصد الشام أتى أولا حران وتزوج بسارة وولدت له إسحاق وولد منه يعقوب ، ولعل