تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ( 62 ) * ( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ) * فضول كلام . * ( إِلَّا سَلاماً ) * ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة ، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم ، على بعض على الاستثناء المنقطع ، أو على أن معنى التسليم إن كان لغوا فلا يسمعون لغوا سواه كقوله : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب أو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهرا وإنما فائدته الإكرام . * ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة ، وقيل المراد دوام الرزق ودروره .
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) * ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) * نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه ، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ، ولا تبطل برد ولا إسقاط . وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم ، وعن يعقوب * ( نُورِثُ ) * بالتشديد .
وما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَه ما بَيْنَ أَيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) * ( وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) * حكاية قول جبريل عليه الصلاة والسلام حين استبطأه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوما ، وقيل أربعين يوما حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه ، ثم نزل ببيان ذلك . والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل ، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر اللَّه على ما تقتضيه حكمته ، وقرئ « وما يتنزل » بالياء والضمير للوحي . * ( لَه ما بَيْنَ أَيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذلِكَ ) * وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان ، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته . * ( وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) * تاركا لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ، ولم يكن ذلك عن ترك اللَّه لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه . وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة ، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر اللَّه ولطفه ، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله * ( وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) * تقرير من اللَّه لقولهم أي وما كان ربك نسيا لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله :
رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما فَاعْبُدْه واصْطَبِرْ لِعِبادَتِه هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيًّا ( 65 ) * ( رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما ) * بيان لامتناع النسيان عليه ، وهو خبر محذوف أو بدل من * ( رَبِّكَ ) * * ( فَاعْبُدْه واصْطَبِرْ لِعِبادَتِه ) * خطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم مرتب عليه ، أي لما عرفت ربك بأنه لا ينبغي له أن ينساك ، أو أعمال العمال فأقبل على عبادته واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة ، وإنما عدي باللام لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمحارب : اصطبر لقرنك . * ( هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيًّا ) * مثلا يستحق أن يسمى إلها أو أحدا سمي اللَّه فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها لم يسموه اللَّه قط ، وذلك لظهور أحديته تعالى ، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة ، وهو تقرير للأمر