تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
ويعقوبية قالوا هو اللَّه هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء ، وملكانية قالوا هو عبد اللَّه ونبيه . * ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه ، وهو يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكانه فيه ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وآرابهم وأرجلهم بالكفر والفسق ، أو من وقت الشهادة أو من مكانها . وقيل هو ما شهدوا به في عيسى وأمه .
أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 ) * ( أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ ) * تعجب معناه أن استماعهم وإبصارهم . * ( يَوْمَ يَأْتُونَنا ) * أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا ، أو التهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ . وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه ، والجار والمجرور على الأول في موضع الرفع وعلى الثاني في موضع النصب * ( لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * أوقع الظالمين موقع الضمير إشعارا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم ، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال بين .
وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيْها وإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 40 ) * ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) * يوم يتحسر الناس المسئ على إساءته والمحسن على قلة إحسانه . * ( إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ ) * فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار ، وإذ بدل من اليوم أو ظرف للحسرة . * ( وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * حال متعلقة بقوله * ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * وما بينهما اعتراض ، أو ب * ( أَنْذِرْهُمْ ) * أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين ، فتكون حالا متضمنة للتعليل . * ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيْها ) * لا يبقى غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك ، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك توفي الوارث لإرثه . * ( وإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) * يردون للجزاء .
واذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّه كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لأَبِيه يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) * ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّه كانَ صِدِّيقاً ) * ملازما للصدق ، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب اللَّه تعالى وآياته وكتبه ورسله . * ( نَبِيًّا ) * استنبأه اللَّه . * ( إِذْ قالَ ) * بدل من * ( إِبْراهِيمَ ) * وما بينهما اعتراض ، أو متعلق ب * ( كانَ ) * أو ب * ( صِدِّيقاً نَبِيًّا ) * . * ( لأَبِيه يا أَبَتِ ) * التاء معوضة من ياء الإضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا ، وإنما تذكر للاستعطاف ولذلك كررها . * ( لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ) * فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك . * ( ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) * في جلب نفع أو دفع ضر ، دعاه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب ، حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه ، فضلا عن عبادته التي هي غاية التعظيم ، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب ، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح ، والشيء لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على النفع والضر ولكن كان ممكنا ، لاستنكف العقل القويم من عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة ، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر ، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظا من العلم الإلهي مستقلا بالنظر السوي فقال :