تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
* ( ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) * أي التفاوت في الآخرة أكبر ، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها . * ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ) * الخطاب للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمراد به أمته أو لكل أحد . * ( فَتَقْعُدَ ) * فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه . * ( مَذْمُوماً مَخْذُولاً ) * جامعا على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من اللَّه تعالى ، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحا منصورا .
وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ( 23 ) * ( وَقَضى رَبُّكَ ) * وأمر أمرا مقطوعا به . * ( أَلَّا تَعْبُدُوا ) * بأن لا تعبدوا . * ( إِلَّا إِيَّاه ) * لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام ، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة . ويجوز أن تكون أن مفسرة ولا ناهية . * ( وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) * وبأن تحسنوا ، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش ، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإحسان لأن صلته لا تتقدم عليه . * ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما ) * * ( إِمَّا ) * هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل ، وأحدهما فاعل * ( يَبْلُغَنَّ ) * وبدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف « يبلغان » الراجع إلى « الوالدين » ، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلا أو بدلا ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف ، ومعنى * ( عِنْدَكَ ) * أن يكونا في كنفك وكفالتك . * ( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ) * فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما ، وهو صوت يدل على تضجر . وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر ، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف . وقرئ به منونا وبالضم للاتباع كمنذ منونا وغير منون ، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى . وقيل عرفا كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير ، ولذلك منع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين ، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما . * ( ولا تَنْهَرْهُما ) * ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ . وقيل النهي والنهر والنهم أخوات . * ( وقُلْ لَهُما ) * بدل التأفيف والنهر . * ( قَوْلاً كَرِيماً ) * جميلا لا شراسة فيه .
واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) * ( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ) * تذلل لهما وتواضع فيهما ، وجعل للذل جناحا كما جعل لبيد في قوله : وغداة ريح قد كشفت وقرة * إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها للشمال يدا أو للقرة زماما ، وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى : * ( واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * . وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود ، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل . وقرئ « الذل » بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول . * ( مِنَ الرَّحْمَةِ ) * من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق اللَّه تعالى إليهما بالأمس . * ( وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ) * وادع اللَّه تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما . * ( كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) * رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين . روي : أن رجلا قال لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن أبوي بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما . قال : لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما ) .