تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّه كانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) * ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ ) * من قصد البر إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التوقير ، وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا . * ( إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ) * قاصدين للصلاح . * ( فَإِنَّه كانَ لِلأَوَّابِينَ ) * للتوابين . * ( غَفُوراً ) * ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير ، وفيه تشديد عظيم ، ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره .
وآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّه كَفُوراً ( 27 ) * ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه ) * من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم . وقال أبو حنيفة : حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم . وقيل المراد بذي القربى أقارب الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . * ( والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) * بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإسراف ، وأصل التبذير التفريق . « وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال لسعد وهو يتوضأ : ما هذا السرف قال : أو في الوضوء سرف ؟ قال : نعم ، وإن كنت على نهر جار » . * ( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) * أمثالهم في الشرارة فإن التضييع والإتلاف شر ، أو أصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي . روي : أنهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة ، فنهاهم اللَّه عن ذلك وأمرهم بالإنفاق في القربات . * ( وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّه كَفُوراً ) * مبالغا في الكفر به فينبغي أن لا يطاع .
وإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ( 28 ) * ( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) * وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد ، ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية . * ( ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ) * لانتظار رزق من اللَّه ترجوه أن يأتيك فتعطيه ، أو منتظرين له وقيل معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه ، ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله تعالى : * ( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) * أي فقل لهم قولا لينا ابتغاء رحمة اللَّه برحمتك عليهم بإجمال القول لهم ، والميسور من يسر الأمر مثل سعد الرّجل ونحس ، وقيل القول الميسور الدعاء لهم بالميسور وهو اليسر مثل أغناكم اللَّه تعالى ورزقنا اللَّه وإياكم .
ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ إِنَّه كانَ بِعِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) * ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) * تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر ، نهى عنهما آمرا بالاقتصاد بينهما الذي هو الكرم . * ( فَتَقْعُدَ مَلُوماً ) * فتصير ملوما عند اللَّه وعند الناس بالإسراف وسوء التدبير . * ( مَحْسُوراً ) * نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا بلغ منه . وعن جابر ( بينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جالس أتاه صبي فقال : إن أمي تستكسيك درعا ، فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من ساعة إلى ساعة فعد إلينا ، فذهب إلى أمه فقالت : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك ، فدخل صلَّى اللَّه عليه وسلَّم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا وأذن بلال وانتظروه للصلاة فلم يخرج فأنزل اللَّه ذلك ) ثم سلاه بقوله : * ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ ) * يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإضافة إلا لمصلحتك . * ( إِنَّه كانَ بِعِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ) * يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ، ويجوز أن يراد أن البسط