تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
بعثناه إليهم ، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده ، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان ، فيدل على الطاعة من طريق المقابلة ، وقيل أمرناهم بالفسق لقوله : * ( فَفَسَقُوا فِيها ) * كقولك أمرته فقرأ ، فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه ، أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق ، ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي كقولهم : أمرته فعصاني . وقيل معناه كثرنا يقال : أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته ، وفي الحديث « خير المال سكة مأبورة ، ومهرة مأمورة » ، أي كثيرة النتاج . وهو أيضا مجاز من معنى الطلب ، ويؤيده قراءة يعقوب « آمرنا » ورواية * ( أَمَرْنا ) * عن أبي عمرو ، ويحتمل أن يكون منقولا من أمر بالضم أمارة أي جعلناهم أمراء ، وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور . * ( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) * يعني كلمة العذاب السابقة بحلوله ، أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي . * ( فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) * أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم .
وكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) * ( وَكَمْ أَهْلَكْنا ) * وكثيرا أهلكنا . * ( مِنَ الْقُرُونِ ) * بيان لكم وتمييز له . * ( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) * كعاد وثمود . * ( وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ) * يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها ، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه . * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ ) * مقصورا عليها همه . * ( عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) * قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ، ولا كل واجد جميع ما يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل . و * ( لِمَنْ نُرِيدُ ) * بدل من له بدل البعض . وقرئ « ما يشاء » والضمير فيه للَّه تعالى حتى يطابق المشهورة . وقيل * ( لِمَنْ ) * فيكون مخصوصا بمن أراد اللَّه تعالى به ذلك . وقيل الآية في المنافقين كانوا يراؤن المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها . * ( ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) * مطرودا من رحمة اللَّه تعالى .
ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) * ( وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها ) * حقها من السعي وهو الإتيان بما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم . وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص . * ( وهُوَ مُؤْمِنٌ ) * إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة . * ( فَأُولئِكَ ) * الجامعون للشروط الثلاثة . * ( كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) * من اللَّه تعالى أي مقبولا عنده مثابا عليه ، فطن شكر اللَّه الثواب على الطاعة . * ( كُلًّا ) * كل واحد من الفريقين ، والتنوين بدل من المضاف إليه . * ( نُمِدُّ ) * بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مددا لسالفه . * ( هؤُلاءِ وهَؤُلاءِ ) * بدل من * ( كُلًّا ) * . * ( مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) * من معطاه متعلق ب * ( نُمِدُّ ) * . * ( وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) * ممنوعا لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلا .
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 ) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 ) * ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) * في الرزق ، وانتصاب * ( كَيْفَ ) * ب * ( فَضَّلْنا ) * على الحال .
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 251 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي