تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 ) * ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ) * ولا تبخسوا فيه * ( وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) * بالميزان السوي ، وهو روميّ عرّب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن ، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيا . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي « الشعراء » . * ( ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) * وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع .
ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْه مَسْؤُلاً ( 36 ) * ( وَلا تَقْفُ ) * ولا تتبع وقرئ « ولا تقف » من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة . * ( ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب ، واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند ، سواء كان قطعا أو ظنا واستعماله بهذا المعنى سائغ شائع . وقيل إنه مخصوص بالعقائد . وقيل بالرمي وشهادة الزور ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللَّه في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » . وقول الكميت : ولا أرمي البريء بغير ذنب * ولا أقفو الحواصن إن قفينا * ( إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ ) * أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها ، هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله : والعيش بعد أولئك الأيام * ( كانَ عَنْه مَسْؤُلاً ) * في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه ، يعني عما فعل به صاحبه ، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر * ( لا تَقْفُ ) * أو لصاحب السمع والبصر . وقيل * ( مَسْؤُلاً ) * مسند إلى * ( عَنْه ) * كقوله تعالى : * ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) * والمعنى يسأل صاحبه عنه ، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم ، وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية . وقرئ * ( والْفُؤادَ ) * بقلب الهمزة واوا بعد الضمة ثم إبدالها بالفتح .
ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُه عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) * ( وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ) * أي ذا مرح وهو الاختيال . وقرئ * ( مَرَحاً ) * وهو باعتبار الحكم أبلغ وإن كان المصدر آكد من صريح النعت . * ( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ) * لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك . * ( ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ) * بتطاولك وهو تهكم بالمختال ، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل . * ( كُلُّ ذلِكَ ) * إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة . من قوله تعالى : * ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ) * وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : أنها المكتوبة في ألواح موسى عليه السلام . * ( كانَ سَيِّئُه ) * يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناه . وقرأ الحجازيان والبصريان * ( سَيِّئُه ) * على أنها خبر * ( كانَ ) * والاسم ضمير * ( كُلُّ ) * ، و * ( ذلِكَ ) * إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله : * ( عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) * بدل من * ( سَيِّئُه ) * أو صفة لها محمولة على المعنى ، فإنه بمعنى سيئا وقد قرئ به ، ويجوز أن ينتصب مكروها على الحال من المستكن في * ( كانَ ) * أو في الظرف على أنه صفة * ( سَيِّئُه ) * ، والمراد به المبغوض المقابل