تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
لأنها حركة أصلها أو لأنه كان يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة ، وإنما جاز يا أبتا ولم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض . وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض ، وإنما لم تسكن كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب . * ( إِنِّي رَأَيْتُ ) * من الرؤيا لا من الرؤية لقوله : * ( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ) * ولقوله : * ( هذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ ) * * ( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشَّمْسَ والْقَمَرَ ) * . روي عن جابر رضي اللَّه تعالى عنه ( أن يهوديا جاء إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف ، فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال إذا أخبرتك هل تسلم قال نعم ، قال جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي إي واللَّه إنها لأسماؤها ) * ( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) * استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرير وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم .
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) * ( قالَ يا بُنَيَّ ) * تصغير ابن ، صغّره للشفقة أو لصغر السن ، لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة . وقرأ حفص هنا وفي « الصافات » بفتح الياء . * ( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) * فيحتالوا لإهلاكك حيلة ، فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه أن اللَّه يصطفيه لرسالته ويفوقه على إخوته ، فخاف عليه حسدهم وبغيهم والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم ، فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ ، فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه ، وإنما عدى كاد باللام وهو متعد بنفسه لتضمنه معنى فعل يعدى به تأكيدا ولذلك أكد بالمصدر وعلله بقوله : * ( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * ظاهر العداوة لما فعل بآدم عليه السلام وحواء فلا يألوا جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد .
وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَه عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) * ( وَكَذلِكَ ) * أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس . * ( يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) * للنبوة والملك أو لأمور عظام ، والاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك . * ( ويُعَلِّمُكَ ) * كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك . * ( مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ ) * من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة ، وأحاديث النفس أو الشيطان إن كانت كاذبة . أو من تأويل غوامض كتب اللَّه تعالى وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء ، وهو اسم جمع للحديث كأباطيل اسم جمع للباطل . * ( ويُتِمُّ نِعْمَتَه عَلَيْكَ ) * بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة . * ( وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) * يريد به سائر بنيه ، ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب أو نسله . * ( كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ) * بالرسالة وقيل على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار وعلى إسحاق بإنقاذه من الذبح وفدائه بذبح عظيم . * ( مِنْ قَبْلُ ) * أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت . * ( إِبْراهِيمَ