الجنة غير الجنة التي وعد المتقون ، كما عليه الإجماع والسنة ، وفي
نفس هذه الآيات شواهد واضحة ، ولا تكون الجنة موضوعة لدار السلام
والخلد مطلقا ، وإنما ينصرف إليها عند وجود القرائن ، وتكفي هذه
المذكورات لكونها غير تلك الجنة ، وأما الخلاف في موضع هذه الجنة ،
فهو موكول إلى بعض بحوث اخر إن شاء الله تعالى .
نعم ربما يستشم من كلمة " الهبوط " أولا ، ومن كلمة * ( ولكم في
الأرض مستقر ) * بعد تلك الأوامر والنهي ، أن هناك موضعا غير الأرض ، فيلزم
نحو تناقض بين ما أراده الله تعالى أولا ، ثم الدستور بدخول الجنة التي
هي غير الأرض .
وفيه : أن كلمة " الهبوط " أعم من الهبوط من السماء ، نحو قوله
تعالى : * ( إهبطوا مصرا ) * ( 1 ) هذا ، مع أن قوله تعالى : * ( وقلنا يا آدم أسكن
أنت . . . ) * - بعد ما جعل في الأرض خليفة - ظاهر في أن تلك الجنة موضع
مرفوع ومن المرتفعات الخضراء ، وإلا كان ينبغي أن يقال : " ارتفع أنت "
وأمثال ذلك ، وإطلاق الأرض على ما وراء موضع خاص من الأرض جائز ، بعد
وجود القرائن المذكورة ، مع أن جنة البرزخ ليست جنة مادية ، كما يأتي
تحقيقه . ولا محل لهذه البحوث عند أهل التحقيق والفلسفة والحكمة ،
وعند أصحاب المحافل والشهود والإيمان والعرفان . والله خير موفق .
ومن هذا التقريب يتبين فساد اختلاف القشريين في الهبوط
والهبوط الأول والثاني ، المذكور في كتب التفسير .
هامش
1 - البقرة ( 2 ) : 61 .