تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
تعالى وبتركهم فيها ، إلا أن الحركة نحو السعادة من الله وفي الله وإلى الله ، والحركة نحو الشقاوة بنفس تركه تعالى في الظلمة التي نشأت من ذاته الإمكانية ، ومن ملاحظة هذه الفقرة من هذه الآية وما مر من الآية السابقة من قوله تعالى : * ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) * ونظائرهما ، يظهر : أن المبادئ الموجبة للانحراف عن الجادة المستقيمة ، والأسباب المورثة للضلالة في الطريقة الأصلية الصحيحة ، كلها نشأت من ناحية المتحرك والسالك على الوجه المحرر مرارا فيما سبق وسلف . إن قلت : كيف يصح نسبة الترك إليه تعالى ، مع أن الترك الخاص المكاني وما شابهه غير معقول ، والترك المطلق يستلزم انعدام الشئ ، والخروج عن حكومته والالتحاق بالعدم ، فلا يكونون في ظلمات لا يبصرون ، بل يصيرون في ظلمة العدم ، فلا يبقون أو يبصرون لأجل انتفاء الموضوع ، وهو خلاف الواقع . قلت : إن الإنسان بحسب الفطرة الأصلية تحت ظل العناية الإلهية والاسم " الهادي " ، فإذا راعى السالك في سلوكه الجهات العقلية والشرعية ، يكون مهتديا بالله تعالى وتحت لوائه ، وأما إذا انحرف واتبع هواه وأخذ في سبيل الغي والشيطنة ، فقد أخرج نفسه عن الاسم " الهادي " ، فتركه الله تعالى ، وفي نفس هذا الترك ظلمات ، بل نفس تركه تعالى ظلمة وظلمات ، فتركه تعالى ليس مطلقا ، بل هو من الترك الخاص ، ومن الخروج عن تحت الاسم والدخول في تحت الاسم الآخر " المضل " ، على موازين عقلية وشواهد كشفية ومعاينات عرفانية ، ولأجل