وأما الأدلة اللفظية من الآية والرواية فهي مذكورة في الأصول
والفقه ، ومقتضى فهم الشيخ ( قدس سره ) أن هذه الآية ربما تدل على أصالة
التعبدية ، ضرورة أن إيجاب المندوبات غير جائز للزوم الخلف ، فتكون
الآية ناظرة إلى أن ما هو في الشرع من الواجب والمندوب ، لابد وأن
يؤتى به عبادة إلا ما خرج بدليل خاص من إجماع وغيره ، فتكون هذه الآية
من تلك الآيات المستدل بها على أصالة التعبدية ( 1 ) .
وأنت خبير بأن الأمر لا يقتضي إلا إيجاد متعلقه ، وإذا امتثل المكلف
يسقط حسب الأصل العقلائي ، فلا تجب العبادة حسب هذه الآية الآمرة
واحدة . هذا إذا قلنا بأنها في مقام إيجاب عبادة الله تعالى .
وأما ما هو الحق : أن هذه الآية وأشباهها كلها في مقام الردع عن
عبادة الأوثان والأصنام ، وفي موقف إرشاد العقلاء وأهل الفهم إلى أن
العبادة لا تليق إلا للرب الذي خلقكم ، لا الرب الذي علمكم كمعلم
العلوم المتعارفة ، ولا الرب الذي يربيكم ويحافظ عليكم ويدافع عنكم
كالمستخدمين عليكم ، فالذي يليق وينبغي له العبادة هو الرب الخالق
لكم ولمن قبلكم ، فلو شئتم أن تبعدوا فاعبدوا الله لا غيره ، وأما لزوم عبادته
تعالى أو وجوبها الشرعي ولو مرة واحدة ، فهو غير ثابت بهذه الآية ، فضلا
عن وجوب الكل ، أو وجوب ما تيسر .
وقد تبين فيما سلف : أن هيئة الأمر في أمثال هذه الآيات لا يعقل أن
تكون للإيجاب التكليفي ، فلا تخلط وكن على بصيرة من أمرك .
هامش
1 - راجع حول الآيات المستدل بها مطارح الأنظار : 62 - 64 .