في الآية ، بل قد ورد في أخبارنا ما يؤيد الأول ( 1 ) ، وقد مر طائفة منها فيما
سبق حول المراد من الصراط المستقيم ( 2 ) ، وهذا هو المستظهر من قوله :
* ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) * ، فإن النعمة المقابلة للغضب
والضلالة هي نعمة الإيمان والاعتقادات الصحيحة .
إن قلت : بناء على هذا يلزم الجبر ، فإن خالق الإيمان إذا كان هو الله
تعالى ، فخالق الكفر أيضا هو تعالى .
قلت : ليس معنى خلق الله الإيمان والكفر : أنه تعالى جزافا يريد
الإيمان في أحد والكفر في الآخر ، بل الكفر والإيمان من كمالات الوجود ،
ومثل سائر الصور الحالة في محالها ويتقوم بالإمكانات الخاصة
الاستعدادية والصور السابقة ، إلا أن الإيمان من الكمالات الحقيقية
والكفر من الكمالات الوهمية .
فبالجملة : لا شبهة حسب البراهين المقررة في محله ، وسيوافيك في
بعض البحوث المناسبة : أن إرادته تعالى نافذة ، وقدرته تعالى عامة
شاملة لكل شئ ( 3 ) ، وأن إرادة العبد وقدرته رشحة من تلك الإرادة
الأزلية الكلية السعية ، ولها الدخالة في حصول الإيمان والكفر ، من
غير كونها علة تامة ، فالإيمان والكفر من الأمور التي تكون تحت الاختيار
والإرادة بمبادئها وإن لا يتعلق بها الإرادة والاختيار ابتداء .
هامش
1 - راجع معاني الأخبار : 36 - 37 / 9 .
2 - راجع الفاتحة : الآية 6 ، التفسير والتأويل على اختلاف المسالك والمشارب .
3 - راجع الأسفار 6 : 369 .