للمؤمنين والمتقين ، فقال " ولمن خاف مقام ربه جنتان " والمعنى ولمن خاف المقام
الذي يقفه فيه ربه للمسائلة عما عمل في ما يجب عليه مما أمره به أو نهاه عنه ، فيكفه
ذلك عما يدعوه هواه إليه يصبر صبر مؤثر للهدى على طريق الردى . والمقام الموضع
الذي يصلح للقيام فيه وبضم الميم الموضع الذي يصلح للإقامة فيه . والجنتان اللتان
وعد الله من وصفه بهما قيل هما جنتان : إحداهما داخل قصره والأخرى خارج
قصره على ما طبع الله تعالى العباد عليه من شهوة ذلك وجلالته فشوقوا إلى ما في
طباعهم شهوة مثله .
ثم وصف الجنتين فقال " ذواتا أفنان " والأفنان جمع ( فن ) وهو الغصن
الفصن الورق ، ومنه قولهم : له فنون ، وهذا فن آخر أي نوع آخر أي ضرب
آخر ، وفيه فنون أي ضروب مختلفة ، ويجوز أن يكون جمع فن . وقال ابن عباس :
معناه ذواتا ألوان . وقال عكرمة . ظل الأغصان على الحيطان . وقال الضحاك :
ذواتا ألوان يفضل بها على ما سواها " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قد بيناه .
وقوله " فيهما عينان تجريان " اخبار منه تعالى أن في الجنتين اللتين وعدتهما
المؤمنين عينين من الماء تجريان بين أشجارها ، فالجاري هو الذاهب ذهاب الماء
المنحدر ، فكل ذاهب على هذه الصفة فهو جار ، وصفت بالعين لصفائها أو بأنها
جارية لأنه أمتنع لها " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قد فسرناه .
وقوله " فيهما من كل فاكهة زوجان " معناه إن في تلك الجنتين من كل
ثمرة نوعين وضربين متشاكلين كتشاكل الذكر والأنثى ، فلذلك سماهما ( زوجين )
وذلك بالرطب واليابس من العنب والزبيب والتين والرطب واليابس ، فكذلك
سائر الأنواع لا يقصر يابسه عن رطبه في الفصل والطيب إلا أنه امتنع وأعذب
بأن يكون على هذا المنهاج . وقيل : فيهما من كل نوع من الفواكه ضربان ضرب
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 479
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٧٩