وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من
الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) ( 25 ) خمس آيات بلا خلاف .
هذا حكاية من الله من الكفار في الآخرة بعد ما شهدت عليهم أبصارهم
وجلودهم بما كانوا يعملون من المعاصي في دار الدنيا أنهم يقولون ( لجلودهم لم
شهدتم علينا ) منكرين عليهم إقامة تلك الشهادة . وقيل : اشتقاق الجلد من
التقوية من قولهم : فلان يتجلد على كذا ، وهو جلد أي قوي ، فتقول جلودهم في
الجواب عن ذلك ( أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ) فالانطاق جعل القادر على
الكلام ينطق إما بالالجاء إلى النطق أو الدعاء إليه . فهؤلاء يلجئهم الله إلى أن
ينطقوا بالشهادة . والنطق إدارة اللسان في الفم بالكلام ، ولذلك لا يوصف تعالى
بأنه ناطق ، وإن وصف بأنه متكلم . ومعنى ( أنطق كل شئ ) أي كل شئ
لا يمتنع منه النطق كالاعراض والموات ، والفائدة في الاخبار عنهم بذلك التحذير
من مثل حالهم في ما ينزل بهم من الفضيحة بشهادة جوارحهم عليهم بما كانوا
يعملون من الفواحش . فلم يكن عندهم في ذلك أكثر من هذا القول الذي لا ينفعهم
وقال قوم : إن الجوارح تشهد عليهم حين يجحدون ما كان منهم .
وقوله ( وهو خلقكم أول مرة ) اخبار منه تعالى وخطاب لخلقه بأنه الذي
حلقهم في الابتداء ( واليه ترجعون ) في الآخرة إلى حيث لا يملك أحد النهي
والامر سواه .
وقوله ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا ابصاركم ولا جلودكم )
قال مجاهد ( وما كنتم تستترون ) أي تتقون . وقال السدي : معناه لم تكونوا
في دار الدنيا تستخفون عن معاصي الله بتركها . وقيل : إن الآية نزلت في ثلاثة
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 118
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١١٨