" فقد فاز فوزا عظيما " أي أفلح فلاحا عظيما ، لأنه يفوز بالجنة ، والثواب
الدائم . وقيل : معناه فقد ظفر بالكرامة من الله والرضوان ، وهو الفوز العظيم .
ثم اخبر تعالى بأنه عرض الأمانة على السماوات والأرض ، فالأمانة هي
العقد الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه ، وقد عظم الله شأن
الأمانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها ، وهو الذي امر به في أول سورة المائدة
وعناه بقوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " وقيل في قوله " عرضنا
الأمانة على السماوات والأرض والجبال " مع أن هذه الأشياء جمادات لا يصح
تكليفها أقوال :
أحدها - ان المراد عرضنا على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال
وثانيها - ان المعني في ذلك تفخيم شأن الأمانة وتعظيم حقها ، وأن من
عظم منزلتها انها لو عرضت على الجبال والسماوات والأرض مع عظمها ، وكانت
تعلم بأمرها لأشفقت منها ، غير أنه خرج مخرج الواقع لأنه أبلغ من المقدر .
وقوله " فأبين ان يحملنها " أي منعن ان يحملن الأمانة " وأشفقن منها "
أي خفن من حملها " وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " أي ظلوما لنفسه
بارتكاب المعاصي ، جهولا بموضع الأمانة واستحقاق العقاب على ارتكاب المعاصي
وقال ابن عباس : معنى الأمانة الطاعة لله ، وقيل لها أمانة لان العبد اؤتمن عليها
بالتمكين منها ومن تركها . وقال تعالى " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " ( 1 ) فرغب
في الأحسن ، وزهد في تركه . وقيل : من الأمانة ان المرأة اؤتمنت على فرجها
والرجل على فرجه ان يحفظاهما من الفاحشة . وقيل : الأمانة ما خلق الله تعالى
في هذه الأشياء من الدلائل على ربوبيته وظهور ذلك منها ، كأنهم أظهروها
هامش
( 1 ) سورة 11 هود آية 7