فحلني ثم أفناه الزمان ولم يطق * دفاعا لما قد حم من قدر
وكلهم قائل لي أنت لي ولمن * خلفت من ولدي حظرا على البشر
فما تملى بنو الآباء بعدهم * ولا هم سكنوا إلا على غرر
وقد قال بعض الحكماء : سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك
وجنى ثمارك ؟ فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا ، والعرض على وجوه
يقال : عرضت المال والعمل على فلان ، فهذا بالقول والخطاب ، وعرضت هذا
الامر على فكري البارحة ، وهذا أمر إن عرض على العقول لم تقبله ، ومنه
قولهم : عرضت الناقة على الحوض ، يريدون عرضت الحوض على الناقة
و ( الاباء ) على وجوه : فمنه الامتناع وإن لم يكن قصد لذلك ، ومنه ألا يصلح
لما يريده ، تقول : أردت سل سيفي فأبى علي . وتقول : هذه الأرض تأبى
الزرع والغرس أي لا تصلح لهما ، فعلى هذا يكون معنى قوله " فأبين أن
يحملنها " أي لا تصلح لحملها ، وليس في طباعها حمل ذلك ، لأنه لا يصلح لحمل
الأمانة إلا من كان حيا عالما قادرا سميعا بصيرا . بل لا يلزم أن يكون سميعا
بصيرا ، وإنما يكفي أن يكون حيا عالما قادرا . وقال قوم : معناه إنا عرضنا
الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال ، كما قال " فما بكت عليهم
السماء والأرض " ( 1 ) يعني أهل السماء وأهل الأرض ، فأبوا حملها على أن
يؤدوا حق الله فيها إشفاقا من التقصير في ذلك * ( وحملها الانسان ) * يعني الكافر
جهلا بحق الله واستخفافا بعرضه * ( إنه كان ظلوما ) * لنفسه * ( جهولا ) * بما يلزمه
القيام بحق الله ، وإنما قال * ( فأبين ) * ولم يقل : فأبوا حملا على اللفظ ، ولم يرده
إلى معنى الآدميين ، كما قال * ( والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) * ( 2 ) وقوله
هامش
( 1 ) سورة 44 الدخان آية 29
( 2 ) سورة 12 يوسف آية 4