ليس يعلم أحد كنه ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين الذين تقدم وصفهم من أنواع
اللذات والأشياء التي تقر أعينهم بها على كنه معرفتها . وقولهم قرت عيناه أي
فرحها الله . لان المستبشر الضاحك يخرج من عينه ماء بارد من شؤونه . والباكي
جزعا يخرج من عينيه ماء سخن من الكبد ، ومنه قولهم : سخنت عينه - بكسر
الخاء - * ( جزاء بما كانوا يعملون ) * من الطاعات في دار التكليف ، وإنما نفى العلم عنهم
مع أن المؤمن يعلم أنه مستحق للثواب ، لان العلم بالشئ يكون من وجهين :
أحدهما - ان يعلم الشئ على طريق الجملة ، وهو الذي يحصل للمؤمن في
دار التكليف .
والآخر - ان يحصل على طريق التفصيل ، وذلك موقوف على مشاهدتهم
للثواب الذي يرونه عند زوال التكليف وحضور الثواب .
ثم قال تعالى * ( أفمن كان مؤمنا ) * مصدقا بالله عارفا به وبأنبيائه عاملا بما
أوجبه الله عليه وندبه إليه * ( كمن كان فاسقا ) * خارجا عن طاعة الله بارتكاب
معاصيه على وجه الانكار لذلك ، فلذلك جاء به على لفظ الاستفهام ، ثم اخبر
تعالى بأنهم * ( لا يستوون ) * قط ، لان منزلة المؤمن الثواب وأنواع اللذات ، ومنزلة
الفاسق العذاب وفنون العقاب . ثم فسر ذلك بما قال بعده فقال * ( اما الذين
آمنوا ) * بالله وصدقوه وصدقوا أنبياءه * ( وعملوا الصالحات ) * وهي الطاعات مع
ذلك * ( فلهم جنات المأوى ) * فالمأوى المقام اي لهم هذه البساتين التي وعدهم
الله بها يأوون إليها * ( نزلا بما كانوا يعملون ) * أي في مواضع لهم ينزلون فيها
مكافأة لهم على طاعاتهم التي عملوها . وقال الحسن : * ( نزلا ) * أي عطاء نزلوه
* ( وأما الذين فسقوا ) * بخروجهم عن طاعة الله إلى معاصيه * ( فمأواهم النار ) *
يأوون إليها نعوذ بالله منها * ( كلما أرادوا ان يخرجوا منها ) * أي كلما كادوا وهموا
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 304
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٠٤