ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال " ويدرؤن بالحسنة السيئة " يعني
يدفعون بالتوبة المعاصي ، لان الله تعالى يسقط العقاب عندها . وقيل : معناه
يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار . وقيل : ان ذلك قبل الامر
بقتالهم ، ولا يمتنع أن يؤمروا ، بالاعراض عن مكالمتهم مع الامر بقتالهم ،
ولا تنافي بينهما على حال .
ثم قال " ومما رزقناهم ينفقون " أي جعلنا لهم التصرف فيها ، وملكناهم
إياها ينفقون في طاعة الله ، وفي سبيل الخير ، وإذا سمعوا لغوا من الكلام ،
ورأوا لغوا من الفعل أعرضوا عنه ، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو " لنا
أعمالنا ولكم اعمالكم " أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم " سلام عليكم "
أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه . ويقولون " لا نبتغي الجاهلين " أي
لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم . واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه ، وإنما يفعله
فاعله على توهم فاسد ، واللغو واللغا بمعنى واحد . قال الشاعر :
عن اللغا ورفث التكلم ( 1 )
ومن أحسن الأدب الاعراض عن لغو الكلام . وقيل : ان هذه الآيات
نزلت في عبد الله بن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العبدي ، وسلمان الفارسي
لما اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره : انها
نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله قبل مبعثه :
اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه ،
وثمانية قدموا من الشام : منهم بحيرا ، وابرهه ، والأشرف ، وعامر ، وأيمن
وإدريس ، ونافع ، قال قتادة : آتاهم الله أجرهم مرتين ، لايمانهم بالكتاب
هامش
( 1 ) مر تخريجه في 2 / 132 ، 164 ، 230 من هذا الكتاب