قرنا من قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا ، وقوم هود بكذا ، وقوم
صالح بكذا " لعلهم يتذكرون " فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن كان قبلهم .
واصل التوصيل من وصل الحبال بعضها بعض . ومنه قول الشاعر :
فقل لبني مروان ما بال ذمة * وحبل ضعيف ما يزال يوصل ( 1 )
والمعنى انا اتبعنا القرآن بعضه بعضا . وقيل : معناه فصلنا لهم القول .
وقوله " الذين آتيناهم الكتاب " يعني التوراة * ( من قبله ) * يعني من قبل القرآن
وقد تقدم ذكره في قوله " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما
أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل " .
وقوله " هم به يؤمنون " أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله وبعد
نزوله . ويحتمل أن تكون الكناية عن النبي صلى الله عليه وآله ، وتقديره الذين آتيناهم
الكتاب من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون ، لأنهم كانوا يجدون صفته في التوراة ثم
قال * ( وإذا يتلى عليهم ) * يعني القرآن " قالوا آمنا به " أي صدقنا به " انه الحق
من ربنا انا كنا " من قبل نزوله " مسلمين " به مستمسكين بما فيه .
ثم اخبر تعالى ان هؤلاء الذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم على
ما صبروا في جنب الله " مرتين " إحداهما - لفعلهم الطاعة ، والثانية للصبر عليها
لما يوجبه العقل من التمسك بها ، والصبر حبس النفس عما تنازع إليه فيما
لا يجوز أن يتخطأ إليه ، ولذلك مدح الله الصابرين . والصبر على الحق مر إلا أنه
يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد ، فهؤلاء صبروا على الامتناع من
المعاصي ، وعلى فعل الطاعات . وقيل : صبروا على الأذى في جنب الله .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي 13 / 295 والطبري 20 / 51 مع اختلاف قليل في الرواية