التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل ، فإن كان هذا الفعل لا يصح إلا بآلة ، فالتمكين
باعطاء تلك الآلة لمن فيه القدرة ، وكذلك إن كان لا يصح الفعل إلا بعلم ، ونصب
دلالة ، وصحة سلامة ، ولطف وغير ذلك ، فاعطاء جميع ذلك واجب . وإن كان الفعل
يكفي - في صحة وجوده - مجرد القدرة ، فخلق القدرة هو التمكين . ثم وصفهم .
فقال : هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ، ( إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة )
يعني أدوها بحقوقها ، وقيل : معناه داموا عليها ( وآتوا الزكاة ) أي وأعطوا ما
افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات وغيرها ( وأمروا بالمعروف ونهوا عن
المنكر ) . وفي ذلك دلالة على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، لان
ما رغب الله فيه ، فقد اراده ، وكل ما أراده من العبد ، فهو واجب إلا أن يقوم دليل
على ذلك أنه نفل ، لان الاحتياط يقتضي ذلك . و ( المعروف ) هو الحق ، وسمي
معروفا لأنه تعرف صحته . وسمي المنكر منكرا ، لأنه لا يمكن معرفة صحته .
وقوله " ولله عاقبة الأمور " معناه تصير جميع الاملاك لله تعالى ، لبطلان كل ملك
سوي ملكه . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله مسليا له عن تكذيب قومه له وقلة قبولهم منه : " وان
يكذبوك " يا محمد في ما تدعيه من النبوة " فقد كذبت قبلهم قوم نوح " نوحا ، وكذبت
قوم " عاد " هودا وقوم " ثمود " صالحا " وقوم إبراهيم " إبراهيم " وقوم لوط "
لوطا " وأصحاب مدين " شعيبا " وكذب " أصحاب موسى " موسى " وإنما قال
" وكذب موسى " ولم يقل وقوم موسى ، لان قومه بني إسرائيل ، وكانوا آمنوا به
وإنما كذبه قوم فرعون " فأمليت للكافرين " اي أخرت عقابهم وحلمت عنهم
" ثم أخذتهم " فاستأصلتهم بأنواع الهلاك " فيكف كان نكير " أي عذابي لهم ، وإنما
اقتصر على ذكر أقوام بعض الأنبياء ، ولم يسم أنبياءهم ، لدلالة الكلام عليه .
ثم قال تعالى " وكأين من قرية " معناه وكم من أهل قرية " أهلكناها " لما
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 323
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٢٣