هذا اخبار من الله تعالى وخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم انك يا محمد لست تسألهم
يعني أمته الذين بعث إليهم على ما يعرفهم به من اخبار الماضين اجرا ، ولا جزاء
في مقابلته . وليس ذلك إلا ذكر للعالمين . والسؤال قول القائل لمن هو فوقه
( افعل ) إذا كان سؤال طلب ودعاء ، وإن كان سؤال استخبار ، فهو طلب
الاخبار بادلته ، والاجر جزاء العمل بالخير يقال : آجره الله يآجره أجرا إذا
جازاه بالخير ، ويدعابه ، يقال : آجرك الله . والذكر حضور المعنى للنفس ،
وهو ضد السهو . وقد يقال للقول الذي يحضر المعنى للنفس ذكر . و ( العالم )
جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها ان تعلم ، لأنه مأخوذ من العلم ، ومنه معنى
التكثير ، وفي عرف المتكلمين عبارة عن الفلك وما حواه عن طريق التبع
للحيوان الذي ينتفع به ، وهو مجعول لأجله . ومعنى الآية إنك لست تسألهم على
ابلاغك إياهم ما أوحى الله به إليك ، ولا على ما تدعوهم إليه من الايمان اجرا ،
فيكون تركهم لذلك إشفاقا من إعطاء الاجر ، بل هم يزهدون في الحق مع أمنهم
من اعطاء الاجر ، وليس ما تؤديه إليهم من القرآن ، وجميع ما ينزله الله من
الاحكام " إلا ذكر للعالمين " اي طريق إلى العلم بما أوجب الله عليهم ، فذكر
الدليل طريق إلى العلم بالمدلول عليه . والفكر سبب مولد له ، فالذكر سبب
مؤد ، والفكر سبب مولد ويحتمل أن يكون المراد ليس هذا القرآن الا شرفا
للعالمين لو قبلوه وعملوا بما فيه .
قوله تعالى :
( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم
عنها معرضون ) ( 105 ) آية بلا خلاف .
معنى ( كأين ) كم والأصل فيها ( أي ) فدخلت عليها الكاف للتفخيم بالابهام ،
وتقديره كالعدد ، فهو أبهم من نفس العدد ، لما فيه من التكثير والتفخيم ، وغلبت
على ( كاين ) ( من ) دون ( كم ) لان ( كأين ) أشد إبهاما ، فاحتاجت إلى ( من ) لتدل
على أن ما يذكر بعدها تفسير لها .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 202
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٢٠٢