اي لم يفعلوه بنظر فيه ولا بتبين له . ومن همز أراد اتبعوك في أول الأمر من غير
فكر فيه ولا روية ، والقراءتان متقاربتان ، لان الهمز في اللام منها ابتداء الشئ
وأوله وابتداء الشئ يكون ظهورا ، وإن كان الشئ الظاهر قد يكون مبتدأ وغير
مبتدأ ، فلذلك يستعمل كل واحد منهما مكان الاخر يقولون : انا بادي بدا
وبادئ بدء ، فاني أحمد الله .
أخبر الله تعالى في هذه الآية عن جماعة الرؤساء من قوم نوح الذين كفروا
وجحدوا نبوته أنهم قالوا له " ما نراك الا بشرا مثلنا " والبشر مأخوذ من ظهور
البشرة ، لان الغالب على الحيوان غير الانسان أن يلبس البشرة منه بالصوف أو الشعر
أو الريش أو الصدف . والانسان مأخوذ من النسيان ، لأنهم يصغرونه إنيسيان
ويجوز أن يكون من الانسان الا أنهم زادوا الياء في التصغير . والمثل ما سد مسد غيره
في الجنس بمعني أنه لو ظهر للمشاهد لسد مسده كما يسد الأسود مسد الأسود في
الجنس من غير فضل . وقوله " ما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا " حكاية أيضا
عما قاله قوم نوح من أنه ما نرى من اتبعك الا أنه رذل خسيس حقير من جماعتنا
تقول : رذل وجمعه أرذل ، وجمع الجمع أراذل مثل كلب وأكلب وأكالب
والعامل في ( الذين ) قوله " اتبعك " كأنه قال ما اتبعك الا الذين هم أراذلنا ونراك
ملغى ، ذكره الفراء . قال أبو علي النحوي : هو نصب على الحال ، والعامل فيه
( اتبعك ) وأخر الظرف وأوقع بعد ( الا ) ولو كان غيره لم يجز ، لان الظرف
اتسع فيه في مواضع . ومعنى " بادئ الرأي " أول الرأي ما نراهم . والرأي والرؤية
من قوله " يرونهم مثليهم رأي العين " ( 1 ) وهو نصب على المصدر كقولك ضربته
أول الضرب . وقال الزجاج : نصبه ب ( اتبعوك أول الرأي ) من غير فكر كأنه
قيل اتبعوك رأيا غير سديد ، ومن قرأ بادي الرأي بلا همز أراد ظاهر الرأي
قال الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة 3 آل عمران آية 13