أي خفي الهدى ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة ،
وقد قيل للسحاب : العمى لخفاء ما يخفيه ، كما قيل له : الغمام ومن ذلك قول زهير :
ولكنني عن علم ما في غد عمي ( 1 )
ومن شدد اعتبر قراءة الأعمش فإنه قرأها فعماها عليهم . وروى ذلك الفراء
عن أبي ، والمعنيان متقاربان . قال الفراء : يقال عمى علي الخبر وعمي بمعنى واحد .
حكى الله تعالى عن نوح ما قاله لقومه جوابا عما قالوه له مما حكيناه
فإنه " قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة " أي برهان وحجة من المعجزة التي
تشهد بصحة النبوة . وخصهم بهذا إذ هو طريق العلم بالحق لا ما التمسوا من اختلاف
الخلق . وقوله " آتاني رحمة من عنده " يرد عليهم ما ادعوه من أنه ليس له عليهم
فضل ، فبين ذلك بالهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم . وقوله
" فعميت " يحتمل أمرين : أحدهما - خفيت علكيم ، لأنكم لم تسلكوا الطريق
المؤدي إليها . والاخر - أن يكون المعنى عميتم عنها ، وأضاف العمى إلى البينة لما
عموا عنها لضرب من المجاز ، لان المعنى ظاهر في ذلك ، كما يقال : أدخلت
الخاتم في يدي والقلنسوة في رأسي ، والمراد أدخلت يدي في الخاتم ورأسي في القلنسوة .
ومن قرأ بتشديد الميم وضم العين أضاف التعمية إلى غيرهم ممن صدهم عن النظر
فيها وأغواهم في ذلك من الشياطين والمضلين عن الحق .
وقوله " أنلزمكموها وأنتم لها كارهون " أنضطركم إلى موجب البينة مع
العلم مع كراهتكم لذلك فيبطل تكليفكم الاستدلال بالبينة المؤدية إلى المعرفة
أي أضطركم إلى حال الضرورة . ووجه آخر - وهو أن يكون المراد إن الذي
علي أن أدل بالبينة ، وليس علي أن أضطركم إلى المعرفة .
وفي قوله " أنلزمكموها " ثلاث مضمرات ضمير المتكلم وضمير المخاطب
وضمير الغائب ، وهو أحسن ترتيب : بدأ بالمتكلم ، لأنه أخص بالفعل ثم بالمخاطب
هامش
( 1 ) اللسان ( عمى )