مع هذا التقريع العظيم . وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وأنها الفصاحة في هذا
النظم المخصوص ، لأنه لو كان غيره لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق .
وقوله " فأتوا " وإن كان لفظه لفظ الامر فالمراد به التهديد والتحدي والمثل المذكور
في الآية ما كان مثله في البلاغة والنظم أو ما يقاربه ، لان البلاغة ثلاث طبقات فأعلاها
معجز ، وأدناها وأوسطها ممكن ، فالتحدي وقع بما هو في أعلى طبقة في البلاغة ،
ولا يجوز أن يكون المراد بالمثل إلا المثل في الجنسية ، لان مثله في العين يكون حكايته
وذلك لا يقع به تحدي . وإنما يرجع إلى ما هو متعارف بينهم في تحدي بعضهم
بعضا كمناقضات امرئ القيس وعلقمة ، وعمر بن كلثوم والحارث بن حلزة ، وجرير
والفرزدق وغيرهم . ومعنى ( أم ) تقرير بصورة الاستفهام ، وتقديره بل " يقولون
افتراه " . وقال بعضهم : إن الاستفهام محذوف ، كأنه قال أيكذبونك أم يقولون
افتراه . وهذا ليس بصحيح لان ( أم ) ههنا منقطعة ليست معادلة ، وإنما يجوز
حذف الاستفهام في الضرورة . وقوله " ادعوا من استطعتم من دون الله " أي
ادعوهم إلى معاونتكم على المعارضة . وهذا غاية ما يمكن من التحدي والمحاجة .
وقوله " بعشر سور مثله " اي مثل سورة منه كل سورة منها . ومعنى " مفتريات "
أي مختلقات يقال : افترى واختلق واخترق ، وخلق وخرق وخرص واخترص
إذا كذب .
قوله تعالى :
فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا
إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ( 14 ) آية
قيل في المعني بقوله " فإن لم يستجيبوا لكم " قولان :
أحدهما - ان المراد به المؤمنون ، والتقدير فإن لم يقبلوا إجابتك يا محمد
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 457
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٥٧