الانسان من حال إلى حال ، لان ذلك أبعد من توهم الاتفاق فيه .
وقوله " ثم استوى على العرش " معناه استولى عليه بانشاء التدبير من جهته
كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره ، قال الشاعر :
ثم استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق ( 1 )
يعني بشر بن مروان . ودخلت ( ثم ) لان التدبير من جهة العرش بعد استوائه .
وقوله " يدبر الامر " فالتدبير تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها ،
وهو مأخوذ من الدبور ، فتجري على أحكام الدابر في الباري .
وقوله " وما من شفيع إلا من بعد إذنه " فالشفيع هو السائل في غيره لاسقاط
الضرر عنه . وعند قوم أنه متى سأله في زيادة منفعة توصل إليه كان شفيعا . والذي
اقتضى ذكره - ههنا - صفات التعظيم مع اليأس من الاتكال في دفع الحق على
الشفيع . والمعنى - ههنا - ان تدبيره للأشياء وصنعته لها ليس يكون منه بشفاعة
شفيع ولا بتدبير مدبر لها سواه ، وأنه لا يجسر أحد أن يشفع إليه إلا بعد ان يأذن
له فيه ، من حيث كان تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب من خلقه بمصالحهم . وقوله
" ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون " معناه إن الموصوف بهذه الصفات هو
ربكم وإلهكم فاعبدوه وحده ، لأنه لا إله لكم سواه ، ولا يستحق هذه الصفات
غيره . وحثهم على التذكير والتفكر في ذلك وعلى تعرف صحة ما أخبرهم به
وقيل : ان العرش المذكور - ههنا - هو السماوات والأرض ، لأنهن من بنائه . والعرش
البناء . ومنه قوله " يعرشون " ( 2 ) أي يبنون . وأما العرش المعظم الذي تعبد الله
الملائكة بالحفوف به والاعظام له وعناه بقوله " الذين يحلمون العرش ومن
حوله ( 3 ) فهو غير هذا . وإنما ذكر الشفيع في الآية ولم يجر له ذكر ، لان
هامش
( 1 ) مر هذا البيت في 1 / 125 و 2 / 396
( 2 ) سورة 16 النحل آية 68 وسورة 7 الأعراف آية 136
( 3 ) سورة 40 المؤمن آية 7