أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه متى أنزل سورة من القرآن " نظر بعضهم
إلى بعض " نظرا يومئون به " هل يراكم من أحد " وإنما يفعلون ذلك ، لأنهم
منافقون يتحذرون أن يعلم بهم ، فكأنهم يقول بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد
ثم يقومون فينصرفون . ويحتمل أن يكون انصرافهم عن العمل بشئ مما يستمعون .
فقال الله تعالى " صرف الله قلوبهم " يعني عن رحمته عقوبة لهم " بأنهم قوم
لا يفقهون " مواعظ الله ولا أمره ونهيه . وإنما صرف قلوبهم عن السرور بالفائدة
التي تحصل للمؤمنين بسماع الوحي ، فيحرمون ما للمؤمنين من الاستبشار بتلك
الحال . والفقه فهم موجب المعنى المضمن به ، وقد صار علما على علم الفتيا في الشعرية
لان المعتمد على المعنى . وكان القوم عقلاء يفقهون الأشياء ، وإنما نفى الله عنهم
ذلك لأنهم لم ينظروا فيه ، ولم يعملوا بموجبه ، فكأنهم لم يفقهوه ، كما قال " صم
بكم عمي " ( 1 ) لما لم ينتفعوا بما سمعوه ورأوه .
قوله تعالى :
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ( 129 ) آية .
أقسم الله تعالى في هذه الآية بأنه قد " جاءكم رسول من أنفسكم " لان
لام ( لقد ) هي اللام التي يتلقى بها القسم . والخطاب متوجه إلى جميع الخلق .
ومعنى " من أنفسكم " أي انكم ترجعون إلى نفس واحدة كما قال " قل إنما أنا
بشر مثلكم " ( 2 ) ويحتمل أن يكون المراد به من العرب انكم كذلك .
ويكون - على هذا - الخطاب متوجها إلى العرب خاصة ، فأنتم تخبرونه قبل
مبعثه . وقيل : إنه لم يبق بطن من العرب إلا وولد النبي صلى الله عليه وآله وإنما ذكر ذلك
لأنه أقرب إلى الألفة ، وأبعد من المحك واللجاج ، واسرع إلى فهم الحجة ، فهو
هامش
( 1 ) سورة 2 البقرة آية 18
( 2 ) سورة 18 الكهف آية 111