أمر تعالى بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب هؤلاء الذين تخلفوا عن
الهجرة إلى دار الاسلام . وأقاموا بدار الكفر ، وقال الجبائي : هو خطاب للمؤمنين
أجمع وتحذير لهم من ترك الجهاد وحث لهم عليه ، فأمره أن يقول لهم " إن كان
آباؤكم " الذين ولدوكم " وأبناؤكم " الذين ولدتموهم ، وهم الأولاد الذكور
" وأزواجكم " جمع زوجة وهي المرأة التي عقد عليها عقدة نكاح صحيح ، لان
ملك اليمين والمعقود عليها عقد شبهة لا تسمى زوجة " وعشيرتكم " وهي الجماعة التي
ترجع إلى عقد كعقد العشرة . ومنه المعاشرة ، وهي الاجتماع على عقد يعم .
ومنه العشار النوق التي أتى على حملها عشرة أشهر " وأموال جمع مال " اقترفتموها "
أي اقتطعتموها واكتسبتموها ، ومثله الاحتراف . والاقتراف اقتطاع الشئ عن
مكانه إلى غيره " وتجارة تخشون كسادها " يعني ما اشتريتموه طلبا للربح تخافون
خسرانها ووقوفها " ومساكن " جمع مسكن وهي المواضع التي تسكنونها وترضونها
" أحب إليكم من الله ورسوله " يعني آثر في نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم . والمحبة
إرادة خاصة للشئ فمن أحب الجهاد فقد أراد فعله ومن أحب الله أراد شكره
وعبادته ومن أحب النبي أراد إجلاله وإعظامه . والذي اقتضى نزول هذه الآية محبتهم
التي منعتهم الهجرة . وقوله " فتربصوا " اي فتثبتوا . والتربص التثبت في الشئ
حتى يجئ وقته . والتربص والتنظر والتوقف نظائر في اللغة . ونقيضه التعجل بالامر .
وقال مجاهد قوله " حتى يأتي الله بأمره " من عقوبة عاجلة أو آجلة . وقوله
" والله لا يهدي القوم الفاسقين " معناه إنه لا يهديهم إلى الثواب والجنة لأنه تعالى
قد هداهم إلى الايمان فقال " وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى " ( 1 )
قوله تعالى :
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم
هامش
( 1 ) سورة 41 حم السجدة ( فصلت ) آية 17