بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ( 18 ) آية .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو " مسجد الله " على التوحيد . الباقون على الجمع ،
فمن قرأ على التوحيد ، قال الحسن أراد به المسجد الحرام وبه قال الجبائي . ويحتمل
أن يكون أراد المساجد كلها ، لان لفظ الجنس يدل على القليل والكثير . ومن قرأ
على الجمع يحتمل أن يكون أراد جميع المساجد . ويحتمل أن يكون أراد المسجد
الحرام . وإنما جمع لان كل موضع منه مسجد يسجد عليه . والقراءتان متناسبتان .
والأصل في المسجد هو موضع السجود في العرف يعبر به عن البيت المهيأ لصلاة
الجماعة فيه .
اخبر الله تعالى انه ليس لمشرك ان يعمر مسجد الله . والعمارة ان يجدد منه
ما استرم من الأبنية ، ومنه قولهم : اعتمر إذا زار ، لأنه يجدد بالزيارة ما استرم
من الحال . وقوله " شاهدين على أنفسهم بالكفر " نصب على الحال ، فالشهادة خبر
عن علم مشاهد بأن يشاهد المعنى أو يظهر ظهور ما يشاهد كظهور المعنى في شهادة
أن لا إله إلا الله . والمعني بذلك أحد شيئين :
أحدهما - ان فيما يخبرون به دليلا على كفرهم ، لان أنهم يقولون نحن
كفار ، ولكن كما يقال للرجل ان كلامك ليشهد انك ظالم - هذا قول الحسن .
والثاني - قال السدي : ان النصراني إذا سئل ما أنت ؟ قال نصراني واليهودي
يقول انا يهودي وعابد الوثن يقول مشرك فذلك شهادتهم على أنفسهم بالكفر .
وقال الكلبي : معناه شاهدين على النبي بالكفر ، وهو من أنفسهم . وقوله " أولئك
حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون " اخبار منه تعالى ان اعمال هؤلاء الذين شهدوا
على أنفسهم بالكفر باطلة بمنزلة ما لم يعمل ، لأنهم أوقعوها على وجه لا يستحق
بها الثواب ، وانهم مع ذلك مخلدون في نار جهنم معذبون بأنواع العذاب .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 188
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٨٨