ألا ترى ان المعلوم بعد ان لم يكن معلوما لا يتغير بهذا العلم ، لأنه لو شوهد لم
يشاهد على خلاف ما كان ، والقدرة شوهدت على خلاف ما يشاهد العجز .
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة ، لأنها تدل على أنه لا يكون
العقاب الا بتغيير النفس إلى ما لا يجوز ان يغير إليه ، وهذا يبين انه لا يحسن من الله
العقاب الا لمن فعل قبيحا أو أخل بواجب ، وذلك يبطل قول من قال : يجوز ان
يعاقب الله البرئ بجرم السقيم ، وجملة معنى الآية إنا أخذنا هؤلاء الذين كذبوا
بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم ، وتغييرهم نعمة الله عليهم من بعث رسوله
وتكذيبهم إياه واخراجهم له من بين أظهرهم ، ففعلنا بهم مثل ما فعلنا بالماضين
من الكفار .
قوله تعالى :
كدأب آل فرعون والذين من قبلهم بآيات ربهم
فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ( 55 ) آية
إنما أعاد قوله : " كدأب آل فرعون والذين من قبلهم " لا على وجه التكرار
بلا فائدة بل لوجهين : أحدهما - قال أبو علي : لأنه على نوعين مختلفين من العقاب .
وقال الرماني : فيه تصريف القول في الذم بما كانوا عليه من قبح الفعل وتقدير
الكلام : دأب هؤلاء الكفار مثل دأب آل فرعون . ويحتمل أن يكون كناية عن
هؤلاء الكفار " كذبوا بآياتنا " .
والتكذيب نسبة الخبر إلى الكذب ، فالتكذيب بالحق مذموم ، والتكذيب
بالباطل - لأنه باطل - ظاهره امره محمود ، وإنما وجب في التكذيب بآيات الله تعجيل
العقوبة ، ولم يجب ذلك في غيره ، لما في تعجيل عقوبتهم من الزجر لغيرهم ، فيصلحون
به مع علم الله بأنه ليس فيهم من يفلح - على مذهب من يقول : لو علم الله ان فيهم
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 141
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٤١