هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ( 153 ) آية بلا خلاف .
معنى قوله " ولما سكت " سكن ، وسمي ذلك سكوتا وإن كان الغضب
لا يتكلم ، لأنه لما كان بفورته دالا على ما في النفس من المغضوب عليه كان
بمنزلة الناطق بذلك ، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان
متكلما به والسكوت في هذا الموضع أحسن من السكون ، لتضمنه معنى
سكوته عن المعاتبة لأخيه ، مع سكون غضبه . والسكوت هو الامساك عن
الكلام بهيئة منافية لسببه ، وهو تسكين آلة الكلام .
وإنما قيل : سكت الغضب وسكت الحزن على طريق المجاز إلا أنه في
شئ يظهر أثره ، فيكون بمنزلة الناطق به ، قال أبو النجم :
وهمت الأفعى بأن تسيحا * وسكت المكاء أن يصيحا ( 1 )
فإن قيل : كيف جاز أن يستفزه غضب الحمية عن غضب الحكمة ؟
قلنا : ليس كذلك ، ولكن غضب الحكمة صحبه غضب الحمية لما توجبه
الحكمة . وسكون الغضب عن موسى ( ع ) لا يدل على أن قومه كانوا تابوا
من عبادة العجل ، لأنه يحتمل أن تكون زالت فورة الغضب ولم يزل الغضب ،
لأنه لم يخلص توبتهم بعد .
ويحتمل أن يكون زال غضبه لتوبتهم من كفرهم ، وإذا احتمل الأمران
لم يحكم بأحدهما إلا بدليل .
وقوله تعالى " أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم
يرهبون " معناه أنه لما سكن غضبه رجع فأخذ الألواح التي كان ألقاها ، وكان
الألواح مكتوبا فيها ما هو هدى وحجة وبيان ورحمة للذين هم لربهم يرهبون
بمعنى يخافون عقابه ، ويجوز أن يقال : لربهم يرهبون ، ولا يجوز يرهبون
لربهم ، لأنه إذا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه فصار بمنزلة ما لا يتعدى
في دخول اللام عليه تقدم أو تأخر ، كما قال تعالى " ردف لكم " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 13 / 138 .
( 2 ) سورة 27 النمل آية 72 .