ومن آمن به على الله كذبا إن عاد في ملتهم بأن يحللوا ما يحللونه ويحرموا
ما يحرمونه وينسبونه إلى الله بعد إذ نجاهم الله منها .
والافتراء الكذب ، ومنه الافتعال ، والاختلاق وهو القطع بخبر مخبره
لا على ما هو به ، مشتقا من فري الأديم تقول فريت الأديم أفريه فريا .
والملة الديانة التي تجتمع على العمل بها فرقة عظيمة . والأصل فيه
تكرر الامر من قولهم طريق مليل إذا تكرر سلوكه حتى توطأ ، ومنه الملل وهو
تكرر الشئ على النفس حتى تضجر . والملة الرماد الحار يدفن فيه الخبز
حتى ينضج لتكرر الحمي عليها ، ومنه المليلة من الحمى . والملة لتكرر العمل
فيها على ما تأتي به الشريعة .
وقوله " بعد إذ نجانا الله منها " بإقامة الدليل والحجج على بطلانها ،
وعلمنا بذلك وانتهائنا عنها . وقوله " ربنا افتح " قال ابن عباس : ما كنت
أدري معنى قوله " ربنا إفتح " حتى سمعت بنت سيف بن ذي يزن تقول : تعال
حتى أفاتحك يعني أقاضيك .
وقوله " وما يكون لنا أن نعوذ فيها إلا أن يشاء الله ربنا " إخبار عن
قول شعيب لهم أنه ليس له أن يعود في ملتهم ، ويرجع فيها إلا بعد مشيئة الله
ذلك . وقيل في معنى هذه المشيئة مع حصول العلم بأنه لا يشاء تعالى عبادة
الأصنام والأوثان ثلاثة أقوال :
أحدها - أن في ملتهم أشياء كان يجوز أن يتعبد الله بها ، فلو شاءها
منهم لوجب عليهم الرجوع فيها .
الثاني - أنه إذا فعل ما شاء الله كان ذلك طاعة لله تعالى .
الثالث - أنه علق ما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد
كما قال الشاعر :
إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب ( 1 )
هامش
( 1 ) مر في 4 / 430 .