قوله تعالى :
ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء
أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ( 49 )
آية بلا خلاف .
في هذه الآية حكاية ان أصحاب النار يوم القيامة ينادون أصحاب الجنة
وأصحاب النار هم المخلدون في عذابها ، لا جميع من فيها ، لان فيها الزبانية
الموكلون بعذاب أهلها .
وإنما توعد الله بالعقاب بالنار دون اختراع لآلام أو غيره من الأسباب ،
لأنه أهول في النفس وأعظم في الزجر ، لما يتصور من الحال فيه ، وما تقدم من
ادراك البصر له ، وانهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء . والإفاضة
اجراء المائع من عل ، ومنه قولهم : أفاضوا في الحديث أي اخذوه بينهم من
أوله لأنه بمنزلة أعلاه . وأفاضوا من عرفات إلى مزدلفة معناه صاروا إليها .
قال الرماني : حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان ، وهو
جوهر عظيم الرطوبة يزيد على جميع المائعات في كثرة المنفعة .
وقوله " أو مما رزقكم الله " قال ابن زيد والسدي : طلبوا مع الماء شيئا
من الطعام . وقال أبو علي : طلبوا شيئا من نعيم الجنة ، فأجابهم أهل الجنة
بتحريم المنع ، لا تحريم العبادة ، فقالوا : " ان الله حرمها على الكافرين " وإنما
جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه ، لأنهم لا يخلون من الكلام
به أو السكوت عنه ، وكلاهما لا فرج لهم فيه . وإنما لم يدرك أهل الجنة -
مع خيريتهم - رقة على أهل النار ، لان من الخيرية القسوة على أعداء الله وأعدائهم ، وذلك من تهذيب طباعهم كما يبغض المسئ ويحب المحسن ، وذلك
دلالة على أن الله تعالى بنى هذه الجملة بنية لا تستغني عن الغذاء ، لان أهل
النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام والشراب .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 416
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤١٦