ويقع معه الندامة في وقت قد فات فيه استدراك الخطيئة ، فمعنى الآية الحجة
على أن كل شئ سوى الله فالله ربه من كل وجه يصح منه الربوبية ، وفيها دلالة
على فساد قول المجبرة : ان الله يعذب على غير ذنب .
قوله تعالى :
وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق
بعض درجات ليبلوكم في ما آتيكم إن ربك سريع العقاب
وإنه لغفور رحيم ( 165 ) آية .
اخبر الله تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الأرض ، ومعناه ان كل أهل
عصر يخلفون أهل العصر الذي قبله كلما مضى واحد خلفه آخر على انتظام
واتساق وذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ :
تصيبهم وتخطيني المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع ( 3 )
وواحد الخلائف خليفة ، مثل صحيفة وصحائف ، وسفينة وسفائن ،
ووصيفة ووصائف ، هذا قول الحسن والسدي . وقال قوم : معناه انه جعلهم
خلفاء الجان قبل آدم . وقال آخرون معناه والمراد به أمة نبينا صلى الله عليه وآله لان الله
جعلهم خلفاء سائر الأمم .
وقوله " ورفع بعضكم فوق بعض درجات " وجه الحكمة في ذلك مع أنه
يخلقهم كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم ما فيه من
الألطاف الداعية إلى الواجبات والصارفة عن القبائح ، لان من كان غنيا في ماله
شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك إلى طاعة من يملكها رغبة فيها .
والحال في أضدادها ربما كان دعته إلى طاعته رهبة منها ومن أمثالها ورجاء
أن ينقل عنها إلى حال جليلة يغتبط عليها وقال السدي : رفع بعضهم فوق
هامش
( 3 ) ديوانه 58 واللسان ( ربع ) وتفسير الطبري 12 / 288 .